السؤالأنا شاب واقع في حب فتاة منذ فترة طويلة، وعانيت من حبها الويلات والحسرات، وحاولت أن أنساها فلم أستطع، علمًا أني أحبها حب شرف؟
الجوابما معنى حب الشرف هذا؟ أهو حب لأجل طاعة الله عز وجل؟! أول شيء أنت تحس أن عندك مشكلة وإلا ما سألت هذا السؤال، لماذا سألت هذا السؤال ما دام حبك حب شرف؟! أنت تعلم أن عملك هذا فيه مشكلة، لكن نتيجة أنه سيطر عليك هذا العمل وصعب عليك التخلص منه حاولت أن تجد مبررًا له، فكونك تسأل هذا السؤال هذا بحد ذاته دليل أنك تشعر أن هناك مشكلة أصلًا في هذا العمل، والبر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر وتردد في النفس، وكرهت أن يطلع عليه الناس، ولو أفتاك الناس وأفتوك.
فسؤالك وأنت تعاني من هذه الويلات دليل أن القضية ما هي حب شرف، وأن القضية مشكلة أخرى، وعلى الأقل الإنسان إذا ابتلاه الله عز وجل بمعصية أو مشكلة يكون واقعيًا مع نفسه، ولن ينفعك أنك تخادع نفسك، كأن تقول: لا، أنا ما عندي مشكلة، كن واقعيًا مع نفسك وصريحًا أفضل لك، وقل: أنا إنسان مقصر، وإنا إنسان ضعيف، وأنا إنسان غير قادر على السيطرة على نفسي، هذه حقيقتي، وما في داعي أن تقول هذا الكلام للناس، لكن كن صريحًا مع نفسك، ولا تخادع نفسك، فإن المخادعة لن تنفعك، ولن تعينك.
على كل حال الله عز وجل خلق العواطف عند الناس ولم يخلقها عبثًا، الله عز وجل جعل الناس يحبون، وجعل الناس يبغضون، وجعل الناس يكرهون، وخلق الله عز وجل عند الإنسان شهوات، وأول قضية عندما تقول لي: لا أقدر، أقول لك: هذا الكلام غير صحيح، لماذا لا تقدر؟ لأن الله عز وجل نهاك عن هذه الأشياء وحرمها عليك، ثم إن الله هو الذي خلق فيك هذه الغريزة، ولا يمكن أبدًا أن الله عز وجل يأمرك بشيء لا تستطيعه.
فإذا كنت تتصور أنك ما تستطيع فهذه مخادعة للنفس، وحينما تستسلم لما تدعوه نفسك، فتستسلم للنظر الحرام والتفكير والهواجس، ستبقى عندك مشكلات، تبقى تشتد وتزيد ضراوتها، لكن يجب أن تحزم على نفسك، وتقطع الطريق من البداية.
وهذا الحب الذي جعله الله في نفوس الناس سجية وطبيعة لم يخلقه الله عبثًا، لكن هذه العاطفة إذا لم توجهها الوجهة السليمة سوف تنحرف، ولو شغلت قلبك بحب الله تبارك وتعالى، وحب ما يحبه الله عز وجل، والله ستعيش في عالم آخر، وتشعر أن هذه القضايا تافهة، وهذه قضايا لا تستحق أن تشغل تفكيرك بها وذهنك.
حينما تعمر قلبك بالإيمان ومحبة الله عز وجل، وتصبح كما قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) .
فحينما تعمر قلبك بمحبة الله عز وجل، والإيمان بالله تبارك وتعالى، وتعيش هذه القضية من قلبك فعلًا، وهي تحتاج إلى مجاهدة وجهد حتى تستقر في النفس، وإذا اجتهدت وغرست هذه القضية في نفسك ستجد أن كل هذه المشكلات تنحت جانبًا، وصارت هذه القضايا ما تشغلك ولا تعاني منها.
لكن حينما تعيش بعيدًا عن الإيمان، وبعيدًا عن هذه القضايا ستعاني منها، وأنا أقول لك: لا يوجد حل إلا هذا الحل، وهو الحل الأساس والأول، وبقية الحلول تبقى حلولًا جزئية، أما هذا فهو الحل الأساس، وهو تعمير قلوبنا بالإيمان ومحبة الله عز وجل، الصلة بالله تبارك وتعالى، بالصلاة والدعاء، وتلاوة القرآن والتدبر.
وتحتاج القضية إلى تعويد وترويض ومجاهدة، فهذا الأمر لا يأتي مباشرة، مثلما أن الإنسان لكي يتعلم أي صنعة في الدنيا يحتاج له إلى فترة.
وأما إذا ابتعدت وصار قلبك خاويًا من هذه المعاني فسوف تتعلق بمثل هذه التفاهات.
وهذه القضية جاء فيها أسئلة كثيرة حول قضية السعادة ومن هو أسعد الناس، حينما تصل إلى هذه الدرجة ستكون كما قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان) ، ما معنى حلاوة الإيمان؟ يعني سيجد لذة وحلاوة للإيمان لا يجدها في أي عمل آخر، ويشعر بالعبادات التي يقوم بها، ويشعر بالطاعات والأعمال الصالحة التي يقوم بها وسيجد فيها أنسًا لنفسه، وسيجد أن نفسه تدفعه إلى العمل، وتؤزه إلى العمل.
ولا تتصور أن هؤلاء الأتقياء الواحد منهم يجاهد نفسه ويدفع نفسه دفعًا، لا، فقد تحولت هذه القضايا إلى أنه كما أنك أنت تعيش الويلات مع هذا الحب الذي تسميه حب شرف تمامًا هو أشد حبًا لله تبارك وتعالى، وحبًا لطاعة الله، وقلبه أشد تعلقًا بالله من تعلق هذا الإنسان بمثل هذه الفتاة أو بمثل هذه الصور التي نشاهدها ونراها.