يجب على المرء أن يجعل مشاعره وعواطفه كلها لله، فإن أحب أحب لله، وإن أبغض أبغض لله؛ لأن لسانه يلهج دائمًا بالدعوة الصادقة: (وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقرب إلى حبك) ، فمشاعره هي الأخرى وعواطفه وقف لله تعالى.
وحين يأخذ الحماس بلب أصحاب الأهداف الوضيعة، فيطير رياضي عشق الرياضة حماسًا لانتصار فريقه، ويسيطر عليه هذا الحماس لتتولد عنه أعمال تدل على مبلغ صاحبها من العقل، وحين يطغى الحماس على شاب تائه ليستعرض بسيارته أمام الناس، فيمارس التفحيط، أو ما يسمى بالتطعيس، وينتج عن ذلك إزهاق للأرواح، وعطب للأبدان، وحين يسيطر الحماس نفسه على فنان عاشق للصوت الحرام؛ فيجعل الغناء شعاره ويشتري لهو الحديث، حين يطغى الحماس على هؤلاء جميعًا فصاحبنا ليس في نفسه إلا الحماس لدين الله عز وجل، فقد استهلكت خدمة الدين همه، واستنفدت طاقته، فلم يعد لها بعد ذلك مزاحم، وتتزاحم هذه المطالب التي يسعى إليها الناس إلى صاحبنا تبحث لها عن مكان، فلا تجد مكانًا؛ لأن حماسه قد أصبح وقفًا لله تعالى.
ما أحوجنا إلى أن نحشد هذه الطاقات الهائلة، هذه الطاقات التي قد نهدرها: الحماس والعواطف وما ينشأ عنها من أعمال قد نراها بأعيننا، وقد تودي بصاحبها إلى أن يخاطر بنفسه، وأن يزهق روحه استجابة لحماسة ثائرة، ما أحوج الأمة أن توفر هذا الحماس وهذه الطاقة والمشاعر كلها خدمة لدين الله سبحانه وتعالى.
وتخيلوا أيها الإخوة! حين تحشد هذه الطاقات من العواطف والمشاعر التي يتمتع بها الشباب جميعًا، والشاب يتدفق حيوية وحماسًا وعاطفة؛ حين تحشد هذه الطاقات كلها خدمة لدين الله سبحانه وتعالى، فأي جهد سينتج عنها؟! وأي ثمرة نستطيع أن نجنيها بعد ذلك؟! حين يتزاحم الناس على قضاء أوقاتهم فيما تقودهم إليه نفوسهم عالية كانت أم دنيئة، فيقضي الأول وقته في الدنيا وتحصيل المال، فيصبح هذا الهم هو الذي يسيطر عليه، فحياته لجمع المال، فهو عبد للدينار والدرهم، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض، فليس لديه فراغ للجلوس مع الناس، ولا للحديث معهم، بل إن أهله وأبناءه وزوجه لا يستطيعون أن يجدوا من وقته نصيبًا؛ لأنه مشغول بهذه الدنيا وجمع المال، فقد سيطر هذا الهم وهذا الهدف على وقته.
والثاني الذي يقضي وقته في التسكع في الطرقات والأسواق، أو عند مدارس البنات؛ بحثًا عن فريسة، أو مطاردة لتائهة.
والثالث الذي يسيطر اللهو على حياته، فلا يسأل عنه حرامًا كان أم حلالًا، فاللهو شعاره ومطلبه وهدفه الأساس، ومبلغه من العلم.
والرابع والخامس والسادس والجميع الذين تسيطر هذه الأهداف على أوقاتهم، حين يتنافس هؤلاء في قتل الوقت، ووأد العمر وأد أثمن ما يملكون، فصاحبنا له منطق آخر مع وقته، ومقياس يختلف عن مقاييس هؤلاء جميعًا، فالوقت الضائع لديه هو كل وقت لم يكتسب فيه خيرًا، أو يقدم فيه فضلًا، ولسان حاله: إذا مر بي يوم ولم استفد هدى ولم استزد علمًا فما ذاك من عمري وهكذا فهو يدرك أن وقته هو الحياة، وأن الوقت هو أثمن ما يملك، والله عز وجل يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران:92] ، وهل هناك أنفس لديه من عمره وحياته ووقته؟ ومن ثم فقد جعل وقته وقفًا لله تعالى.
مرة أخرى أقول أيها الإخوة! إن البشر هم الذين بتوفيق الله سبحانه وتعالى يصنعون التاريخ والحياة، وهم الذين جعلهم الله عز وجل وسيلة للتغيير في هذه الحياة وهذا الكون، وهم الذين استخلفهم الله سبحانه وتعالى في الأرض، فهم الطاقة التي لا يسوغ أن تهدر، ولا يسوغ أن تهمل وتذهب سدىً.
ومن ثم فنحن أحوج ما نكون إلى أن نستثمر هذه الطاقة، وأن نستغل هذه الطاقة، وأن نوظف هذه الطاقة في خدمة ما خلقنا من أجله، فقد خلق الله سبحانه وتعالى الناس ليعبدوه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] .
لقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان خليفة في الأرض؛ ليقوم بهذا المنهج وهذا الدين في الأرض، وسخر الله سبحانه وتعالى له كل ما في السماوات والأرض، فسخر الله سبحانه وتعالى له النعماء، وصرف سبحانه وتعالى عنه الضر والبأس، ويسر له كل هذا الكون بكل ما فيه، كل هذا تسخيرًا لهذا الإنسان الذي ما خلق أصلًا ولا أوجد إلا ليكون عبدًا لله سبحانه وتعالى، وإلا ليقوم بعبودية الله عز وجل بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ قريبة أو بعيدة قد تعظم وقد تصغر عند الناس، ولكنها عند الله سبحانه وتعالى عظيمة غالية؛ لأنها عبادة يتوجه بها إلى الله سبحانه وتعالى.
إن هذا الإنسان الذي لم يخلق إلا لعبادة الله عز وجل لا يسوغ أبدًا بحال أن تصرف طاقته وجهده في غير مرضاة الله عز وجل، وفي غير ما خلق من أجله، ونحن في هذه المرحلة التي تعيشها أمتنا، وفي هذا الواقع الأليم الذي تعاني منه المجتمعات الإسلامية أحوج ما نكون إلى حشد الطاقات، وأحوج ما نكون إلى أن نجمع الجهود، فنستنفر وندعو الناس جميعًا لأن يتبرعوا فيخرجوا لنا أناسًا وقفًا ل