فهرس الكتاب

الصفحة 904 من 1904

الأسلوب السادس: الاحتجاج بعدم القدرة.

يقول لك: أنا معك لكن أنا لا أستطيع، أنا إنسان ضعيف في العلم أنا إنسان! لا شك أن هناك واجبات وأن هناك أمورًا من أمور الدعوة قد لا يطيقها، ولا يقوم بها إلا أناس يملكون العلم ويملكون الخبرة، لكن هناك ما سوى ذلك، وسأعطيكم مثالًا تقيسون عليه ما وراءه.

الرجل كبير السن الذي يتوكأ على عصاه، والمرأة العجوز التي لا تعرف أن تقرأ وتكتب قادرة على أن تخدم الأمة، وذلك أنه عندما يعلن في أي منطقة من المناطق عن محاضرة ويأتي هذا الرجل كبير السن يتوكأ على عصاه ويجلس في المسجد، فمجرد حضوره هذا يعتبر تشجيعًا لإقامة هذا النشاط؛ لأنه كلما كثر الحضور في مثل هذه المحاضرات كان ذلك أكثر دافعًا للمحاضر ولغيره أن يزيد منها، وبالتالي فهي رسالة غير مباشرة تبعث إلى المفسدين يقال فيها: هذه الأمة تريد هذا الخير، الأمة لم تعد وراءكم، والناس لم يعودوا وراءكم فهم يسيرون وراء الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى.

قد يحضر الرجل كبير السن محاضرة ولا يستوعب منها إلا القليل ولا يدرك إلا القليل، لكن عندما تنتهي المحاضرة يدعو لهذا المحاضر فيقول: جزاك الله خيرًا وزادك علمًا، ونفعنا وإياك، وحماك الله من شياطين الإنس والجن وغيرها من الدعوات التي نسمعها كثيرًا من أولئك، فمجرد هذه الدعوة مطلوبة ويعتبر هذا الرجل قد قدّم خدمة، لأنه لا يدعو لزيد من الناس، وإنما يدعو لإنسان تصدى للدعوة، وتصدى لخدمة هذا الدين، فعندما يدعو له أن يزيده الله علمًا، أن يزيده ثباتًا، أن يغفر الله له، قد يكون هذا صاحب تقصير ومهمل في حق نفسه، وذاك رجل صاحب عبادة ومجاب الدعوة فيجيب الله دعوته فينفع الله الأمة بدعوة مثل هذا، ونعتقد نحن أيها الأخوة أننا ما نُسقى ولا يأتينا الغيث إلا بدعوات أولئك الضعفاء أولئك العبّاد، البعيدون عن كل شهوة وعن كل هوى يخالف أمر الله ورسوله، فمثلًا إذا كانت هذه المرأة تستمع الشريط وتدعو لهذا الرجل الذي تسمع كلماته، وهذا الرجل أيضًا كبير السن كذلك فإنه يقدّم خدمة للأمة، ما بالك بعد ذلك بمن وراءه، أظن أن أقل الناس قدرة قادر على أن ينقل مثل هذه الأفكار التي يسمعها في خطبة جمعة أو يسمعها في محاضرة ينقلها بصورة أو بأخرى بتعبيره الخاص بلغته الركيكة الضعيفة إلى الآخرين، قادر مثلًا أنه يأخذ شريطًا ويعطيه الآخرين، قادر أن يصنع شيئًا كثيرًا.

لأضرب مثالًا آخر من واقع الطلاب، أو واقع الشباب باعتبار أنهم أقل الطبقات سنًا نأتي إلى واقع المدرسة، ونجد صورة تتكرر كثيرًا في الجو الدراسي، فنأخذ صورتين ونعرف أن الطالب وحده قادر على أن يعالج مثل هذه المشكلة، ويعالج مثل هذه الصورة، لكنه هو يتوهم أنه غير قادر.

فمثلًا: المخالفات اللاأخلاقية من كلام، أو حركات، أو ممارسات، فيراها في الفصل، يراها في الممرات، يراها عند المقصف في كل مكان في المدرسة، فماذا يصنع الطالب؟ أعرف أن الكثير من هؤلاء الشباب يتألم عندما يرى مثل هذا المنكر، لكنه يعتقد أن القضية مسئولية الإدارة أو مسئولية الأستاذ فلان أو مسئولية فلان وفلان، وأنه غير قادر على أداء هذه المسئولية، فإذا كان عندنا فصل دراسي فيه خمسة من الشباب الأخيار، وكان كل واحد يرى أن الإنكار عليه واجب، فإن هذا يأتي إلى فلان ويقول له: اتق الله، لا يجوز لك أن تفعل هذا الأمر، أو يقول له باللغة الدارجة: عيب عليك تفعل هذا الكلام! وكل إنسان قادر أن يقول هذه الكلمة، ولا تحتاج إلى علم، ولا إلى فصاحة ولا إلى بلاغة.

وإذا لم ينفع هذا الأسلوب فإنك ترتفع إلى لغة التهديد، فتقول له: إذا لم ترتدع فأنا سأخبر الإدارة، أو سأخبر الأستاذ فلانًا، فهنا قد يرتدع، فيرتدع جزء منهم عندما ينصح، ويرتدع جزء عندما يهدد، فإذا لم ينفع التهديد فإنك تخبر الإدارة فعلًا، وهذا من وسائل إنكار المنكر فيقضى على هذا المنكر.

فإذا كانت هذه الصورة سائدة عند كل الشباب الذين يمقتون هذا المنكر، وكان كل واحد منهم يقوم بهذا الواجب الذي أجزم أن كل الشباب قادرون عليه، فما النتيجة؟ النتيجة أن الذي يريد أن يهم بمثل هذا الأمر سيتلفت يمينًا وشمالًا، فإذا رأى واحد فقط من هؤلاء الأخيار كف عن هذه المعصية.

فبتعاون هؤلاء الشباب نستطيع أن نقضي على المنكرات الظاهرة في المدارس، مع العلم أن هناك عددًا كبيرًا من الطلاب لا يتعلم هذه الأمور إلا في جو المدرسة، لأن والده محافظ عليه حتى لا يحتك بالآخرين، وقد يكون بعضهم لا يتصل بالعالم الخارجي إلا من خلال جو الدراسة، فلا يتعلم هذه الأمور إلا في المدرسة، فعندما نقضي عليها في المدرسة ونقضي عليها في الشارع، ونقضي عليها في المناسبات العامة، وتنتهي عن إعلانها أمام الناس سنجد أن فئة كبيرة من الشباب لن يقع في مثل هذه الممارسات.

الصورة الثانية: يأتي شاب محافظ، شاب مستقيم، شاب خيّر، فيتعرف على صحبة سيئة وخلال أيام أو أسابيع سرعان ما يهوي، ويكون بغير الوجه الذي كنت تعرفه عليه، صورة متكررة يراها الأساتذة ويراها الطلاب جميع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت