فهرس الكتاب

الصفحة 1638 من 1904

إن الإنسان أيًا كان لا بد أن يتعرض للتربية، والتربية ليست بالضرورة تربية إيجابية، فقد تكون تربية سلبية، وقد تكون تربية على مفاهيم خاطئة، وقد تكون تربية منحرفة، لكن الناس كل الناس لا بد أن يتعرضوا للتربية، إما تربية ذات منهج وخطا واضحة، أيًا كان هذا المنهج، قد يكون منهجًا للإصلاح والخير والاستقامة، وقد يكون منهجًا يراد به الإفساد، ويراد به الانحراف، كما نلمس الآن في المناهج التي تخاطب بها الأمة، حيث نشروا الفساد والرذيلة، وعملوا على محاصرة أبواب الخير، وهي -لاشك- جهود منظمة لإحداث إخلال تربوي في وسط هذه الأمة.

ولعل جزءًا من الأمراض التي تعاني منها الأمة كان نتيجة لتلك التربية السلبية، أو تلك التربية السيئة المتعمدة، أقول: قد تكون التربية تربية مقصودة ذات أهداف وخطا واضحة، سواء كانت تربية إيجابية أو كانت خلاف ذلك، وقد تكون أمورًا ارتجالية غير مقصودة، ولكنها تربي الإنسان شاء أم أبى.

هذه التربية تمارسها طوائف شتى في المجتمع، وليس صحيحًا أن التربية منحصرة في إطار المؤسسات التربوية، فالمؤسسات التربوية جزء -ولاشك- ممن يمارس التربية، ولكننا حين نتأمل نجد أن الذين يمارسون التربية أصناف، الأب والأم في المنزل يمارسان التربية، أيًا كانت هذه التربية، مقصودة أو غير مقصودة، فالأب أحيانًا يساهم في تربية ابنه على الانحراف، وعلى عدم القيام بأوامر الله سبحانه وتعالى، وعلى أن يكون عبدًا لشهواته وأهوائه، من خلال تلك القدوة السيئة التي يراها الابن من أبيه، أو من خلال ما ييسره الأب ويسخره لابنه من وسائل الإفساد، فهو هنا يمارس تربية سيئة.

وقد يمارس الأب أيضًا تربية سيئة من جانب آخر، فيقتل شخصية الابن؛ فيخرج الابن مسحوق الشخصية، لا يمكن أن يستقل في تفكير ولا رأي ولا قرار، ويتعود الابن أن يكون مقلدًا للآخرين، محاكيًا للآخرين، ضعيف الشخصية، لا يستطيع أن يتخذ أي قرار في حياته.

وقد يربي الأب أو الأم الولد على الجبن والخوف والهلع، فيحسب ألف حساب لكلمة يريد أن يقولها، أو موقف يريد أن يعمله، وحين نعود إلى حياة السلف نرى كيف كان السلف يربون أبناءهم على الشجاعة والتضحية، وكيف كان الجبن والهلع صفة ذم ينتقص بها الإنسان عندما يذم ويهجى.

وأحيانًا يربي الأب ابنه على معاني الفضيلة، والحياء، والخلق الفاضل، والعفة، وعلى طلب العلم الشرعي، والسلوك الإسلامي، المهم أن الأب يمارس تربية لابنه، سواء كان مثقفًا، أو كان غير مثقف، وسواء كانت تربية مدروسة ذات أهداف وخطط وبرامج واضحة، أو كانت تربية ارتجالية.

والشيخ الذي يدرس العلم الشرعي هو الآخر يربي، وليس صحيحًا أن الشيخ في حلقته وفي درسه العلمي لا يزيد على أن يلقي جوانب علمية مجردة، بعيدة عن المفاهيم التربوية والسلوكية، بعيدة عن تربية المنهج العلمي عند الطالب.

ولهذا عندما تتأمل وتقرأ في سيرة عالم من العلماء، ترى بصمات شيخه واضحة عليه، من خلال عباراته، ومن خلال ترجيحاته واختياره، ومن خلال جوانب الضعف العلمي لديه، ترى بصمات ذاك الشيخ الذي لازمه طويلًا ظاهرة عليه، سواء كانت سلبًا أو إيجابًا؛ لأن الشيخ يمارس تربية مع التعليم.

كذلك المؤسسات التربوية: المدارس، ودور الرعاية، والدور الاجتماعية، كل هذه المؤسسات التربوية أيضًا هي الأخرى تمارس التربية.

وكذلك تجمعات الشباب، سواء كانت هذه التجمعات تجمعات خيرة، كفئة من الشباب يجتمعون على حفظ القرآن، أو على تدارس العلم الشرعي، ويكون بينهم تجمعات ولقاءات داخل المدرسة وخارجها، أو داخل الحي وخارجه، أم كانت من التجمعات الفوضوية، فتجمعات الأحياء والشوارع والسوقة هي الأخرى أيضًا تمارس تربية، فهي تربي المنتمي لهذه المجموعة على معانٍ سائدة داخل هذا الوسط الاجتماعي المصغر الذي تعيشه هذه المجموعة، وعادة ما تكون تربية مثل هذه المجتمعات -أعني مجتمعات الشوارع- تربية سلبية.

المهم أن التجمعات أيًا كانت تمارس تربية، وتصبغ الفرد من خلال هذا الجو العام السائد على هذه المجموعة، سواء كانت سلبية أو إيجابية.

كذلك الموروثات الاجتماعية من آداب وتقاليد يرثها الناس ويتوارثها المجتمع، فتصبح جزءًا مستقرًا في كيان هذا الشخص، فأنت ترى مثلًا مجتمعًا ألف الكرم والسخاء والجود، فترى مثل هذه الجوانب تظهر على كل فرد يخرج من هذا المجتمع، وترى مجتمعًا تربى على الشجاعة والإرادة فترى أفراده كذلك.

وبالعكس، ترى مجتمعًا تربى على الجبن والخوف والبخل وبذاءة اللسان، فترى أيضًا هذه الموروثات تصبغ هذا المجتمع بصبغة معينة من خلالها يتربى الفرد، ويتأثر من خلال هذه الموروثات التي يرثها من مجتمعه.

وكذلك وسائل الإعلام: التلفاز، الفيديو، الإذاعة، أيًا كانت هذه الوسائل، فهي الأخرى تمارس تربية.

والفرد نفسه يمارس تربية لنفسه، من خلال عبادته، وتعامله مع الناس، ومحاسبته لنفسه، ومن خلال تلك المعاني التي يغرسها في نفسه أيًا كانت هذه المعاني.

إذًا: فالتربية -كما قلنا- ليس صحيحًا أنه لا يمارسها إلا المؤسسات التربوية، أو الأساتذة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت