ثالثًا: من أخطائنا في معالجة الأخطاء: رفض التصحيح العلني للأخطاء جملة.
نعم هناك أخطاء ينبغي أن تصحح من خلال قنوات خاصة، ومن خلال طرق شخصية وسرية، لكن ثمة أخطاء ومنكرات وقضايا لا بد أن يتحدث عنها، ولا بد أن تعالج تحت ضوء الشمس، ولا بد أن تعالج بوضوح، ومناط الأمر في ذلك كله يعود إلى المصلحة الشرعية، فحيث تقتضي المصلحة الشرعية علاج هذا الخطأ سرًا وبطريقة شخصية، فإنه ينبغي أن يعالج كذلك، وحيث تقتضي المصلحة الشرعية علاج هذا الخطأ بصورة علنية واضحة، فالطريقة المثلى هي هذه الطريقة.
وإذا كان الأمر يدور مع المصلحة الشرعية، فلا شك أننا قد نجد داخل هذه الدائرة مجالًا للاجتهاد في بعض الجوانب.
لكن أن نرفض التصحيح العلني للأخطاء جملة فهذا منهج مرفوض، وهو ناشئ أصلًا من عقدة رفض النقد ابتداءً، حيث قد تربينا على رفض النقد، وتربينا على اعتبار أن النقد والحديث عن الأخطاء يعني بالضرورة الضلال والتأثيم والفشل والعداوة إلى غير ذلك من اللوازم التي نربطها بتصحيح الخطأ، وسيأتي مزيد حديث عن هذه القضية، لكن لو افترضنا ورأينا أنه يمكن أن يكون هناك حديث ونقد بناء عن الخطأ مع حسن النية وسلامة المقصد لاستطعنا أن نبني منهجًا سليمًا للنقد يمكن أن يستفيد منه الجميع، ونحن نرى مثلًا ونقرأ في الصحف كثيرًا من المقترحات ونقد بعض الأوضاع في المجتمع والمطالبة بالتصحيح، فنرى مثلًا من يطالب بزيادة اليوم الدراسي، ونرى من يطالب بإضافة مادة من المواد، وبتقليص مادة من المواد، والجميع يتحدثون ولا أحد يرى أن في مثل هذا الحديث طعنًا في المناهج التربوية، واتهامًا لها بالفشل والقصور، وعدم الوفاء بمتطلبات العصر، بل الجميع يرون أنه يمكن أن نتحدث ونقترح، وليس بالضرورة أن يكون كل حديث صوابًا صحيحًا، ثم ليس بالضرورة أن يكون كل حديث عن الخطأ إنما هو حديث مقرون بسوء النية والمقصد، لكن حين يتحدث المصلحون مثلًا عن المطالبة بالتصحيح يواجهون بألوان من الإرهاب الفكري والمحاصرة للكلمة من الصادقين ابتداءً قبل غيرهم، كمن يقول: إن في هذا الكلام طعنًا واتهامًا وإثارة للبلبلة إلى غير ذلك من الأوصاف التي يوصف بها الناصحون.
إن مجتمعات المسلمين تعاني من أزمات كثيرة، ولنذكر مثلًا مشكلة المخدرات، فهي مشكلة تعاني منها مجتمعات المسلمين أجمع، والدليل على هذا أنك لا ترى دولة من دول المسلمين إلا وفيها جهاز أمني متكامل لمكافحة المخدرات، ويتحدث عنها في الصحف ووسائل الإعلام ويكتب عنها تحذيرًا من الوقوع في هذه المشكلة، ومحاولة لعلاج من وقع فيها، إلى آخر المقاصد التي تدفع للحديث عن هذه المشكلة، ونرى أن مشكلات مجتمعات المسلمين الأخرى شأنها شأن هذه المشكلة ينبغي أن نتحدث عنها بوضوح، وعن انتشارها في المجتمعات، فلماذا تكون عندنا حساسية مفرطة، فعندما يتحدث عن انتشار بعض المشكلات في المجتمعات يقال إن في هذا تشكيكًا في المجتمع، وفي هذا إثارة للبلبلة وهذا الحديث طعن في المجتمع إلى غير ذلك، ولم يقل أحد من الناس مثلًا إن تخصيص أجهزة خاصة لمكافحة المخدرات يعني اتهام المجتمع بأنه غارق في ظاهرة المخدرات.
وحين نعود إلى تاريخ الأمة نرى أنها بنت منهجًا واضحًا للنقد العلني الواضح، ولم تر ذلك يعني الطعن ولا التشكيك، فيقوم أحد الرعية لـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يخطب الناس على المنبر، فيواجهه بالحديث عن الخطأ علانية، ويناقشه عمر رضي الله عنه حتى يقتنع الجميع، وتحصل الحادثة نفسها مع معاوية رضي الله عنها وهو خليفة.
ونرى تلك الاختيارات الفقهية التي اختارها عمر، أو عثمان أو علي أو غيرهم حول جمع المصاحف، أو حول متعة الحج، أو حول الإتمام في الحج واجهت انتقادًا علنيًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يرون أنهم لا يزالون إخوة.
ونرى مثلًا أبا سعيد الخدري رضي الله عنه ينكر على مروان حين كان واليًا على المدينة، وقد قدم خطبة العيد على الصلاة، فيقول له في محضر من الناس: خالفت السنة يا مروان.
ونرى من ينكر على بشر حين حرك يديه في الخطبة ويخبر أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزيد على أن يشير بالسبابة.
وحين ندعو إلى إهمال التصحيح العلني والحديث عن الأخطاء، فإن هذه دعوة إلى إلغاء التراث الذي حفظ لنا عن انتقاد المبتدعة، والحديث عن أسمائهم، والحديث عن أخطائهم، وانتقاد مناهجهم، وهذا يدعو إلى أن نصادر كل حدث وكل رواية وكل موقف قام فيه أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو قام فيه سلف الأمة، أو قام من تلاهم بعد ذلك من الناصحين، وأن نغض الطرف عنها، وأن لا نخرجها للناس؛ لأن هذه تربي الناس على الحديث العلني عن الخطأ.
بل لعل هذا المنهج يدعونا إلى التعسف في تأويل نصوص صحت عنه صلى الله عليه وسلم واضحة وضوح الشمس، فقد بايع صلى الله عليه وسلم أصحابه على السمع والطاع