فهرس الكتاب

الصفحة 680 من 1904

لا زلت مسلمًا أيها الشاب

الصفحة الثانية والعشرون: لا زلت مسلمًا.

هناك وهم كاذب يسيطر على البعض من الشباب، وهو ما أشرت إليه في مقدمة حديثي: فيتصور الشاب أن أمامه خيارين: الخيار الأول: أن يتوب ويسلك طريق الالتزام والاستقامة، ويعني هذا: أن تنقلب حياته رأسًا على عقب، فيبدأ يحافظ على الأوامر، ويبدأ يفعل النوافل ويحرص عليها، ويبدأ يجتنب المحرمات والمعاصي، ويبدأ يتغير تفكيره ويتغير منطق حياته ومنهج حياته، فيصيبه انقلاب كامل في حياته.

الخيار الثاني: أن يفشل في تحقيق هذا الخيار لسبب أو لآخر وهو لا يزال عنده قناعة أن هذا هو الطريق الذي ينبغي أن يسلكه، إنه سلك هذا الطريق يومًا من الأيام لكنه فشل: إما لضعف شخصيته، أو لحواجز وهمية، فالقضية إذًا أمامه الخيار الآخر وهو: أن يبقى على ما هو عليه، فحينئذ يتصور أنه ما دام ملتزمًا فله معاملة أخرى، وأنه ما دام ملتزمًا فمن حقه أن يضيع وقته، وما دام ملتزمًا فمن حقه ألا يحافظ على الصلاة، وما دام ملتزمًا فليس مطالبًا أن يفعل النوافل، وليس مطالبًا أن يقرأ القرآن، وليس مطالبًا بهذه المطالب.

أنت ترى مثلًا نقلة بعيدة جدًا وشاسعة جدًا بين هذا الشاب وهو في طريق الغفلة والإعراض، وعندما يسلك طريق الالتزام، ترى نقلة بعيدة جدًا، أليس هناك حل ثالث وخيار ثالث لنختصر هذه النقلة؟ إنك أنت قد تفعل بعض المعاصي، وقد تكون تسير في طريق الغفلة، لكن لماذا تضع هذا الحاجز أمامك: أنك إنسان غير ملتزم وغير مستقيم؟ فتراه عائقًا يعوقك عن المساهمة في كثير من أمور الخير، ويعوقك عن كثير من الطاعات، وتراه مبررًا لك لأن تقع في كثير من المعاصي.

فأنت مثلًا: قد تطالب الشاب أنه يتخلى عن سماع الغناء، وعن مشاهدة الأفلام، وتطالبه بالمحافظة على صلاة الفجر، وتطالبه بأن يفعل السنن الرواتب، وأن يقرأ القرآن، فكأنه يستغرب هذا المطلب ويقول لك: يا أخي! أنا لست ملتزمًا وأنا لست مستقيمًا، وقد لا يقول هذا الكلام بلسان المقال لكنه يقوله بلسان الحال، فمن أين هذا الوهم؟ ولماذا لا تفترض طريقًا ثالثًا ومرحلة ثالثة؟ إنك قد تقول لي: عندك عوائق وعندك أعذار وعندك أسباب تمنعك من طريق الاستقامة، فنقول: إذا لم تسلك هذا الطريق فثمة طريق ثالث، فلا يعني هذا أنه مسوغ أن يتخلى عن المطلب السابق، لكن لم لا تجعله مرحلة وسيطة؟ لماذا لا تقول: أنا غير ملتزم لكني مسلم؟ فما الذي يمنع مثلًا: من أن أعفي لحيتي وإن كنت غير ملتزم؟ لأن المسلم مطالب بذلك، وما الذي يمنع من أن أحافظ على صلاة الفجر؟ وما الذي يمنع من أن أفعل النوافل؟ وما الذي يمنع من أن أقرأ القرآن، ومن أن أشارك في أمور الخير ولو كنت لست من أهل الاستقامة، ولست من أهل الالتزام والطاعة؟ بل أتصور أنا أن هذه خطوة مهمة قد تقودك إلى الانتقال للمرحلة الأخرى، وقد تجعلك تكون أكثر قدرة على سلوك الطريق الفعلي فعلًا الذي نطالبك به.

مرة أخرى عندما نطالبك نحن بهذا المطلب فلا يعني: أن نتخلى عن طلبنا الأول، فهو مطلب ملح وهو الأصل، ولكن إذا لم تلب هذا المطلب أو عجزت أو فشلت فلا يعني هذا أبدًا بحال أنك أصبحت شخصًا آخر، أو كأني أحيانًا بك تتصور أنك غير مكلف، أو كما يقول أهل الأصول: غير مخاطب بفروع الشريعة، فأنت إذا كنت غير ملتزم ومظهرك غير مستقيم، فهذا لا يعفيك إطلاقًا من التكاليف الشرعية، فكل نص شرعي سواء أمر أو نهي: سنة واجب محرم مكروه أنت مطالب به، وليس هناك أبدًا نصوص خاصة وأحكام خاصة وأشياء خاصة بالملتزمين، وأمور خاصة بغير أولئك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت