ثالثًا: من صور الإخلال بالعمل كثرة الشكوى من مشاكل الواقع، ومشاكل العمل الإسلامي، ومشاكل الشباب والدعوة إلى آخر هذه القائمة الطويلة، وهي غالبًا ما تكون شكوى صادقة لكنها تحتل مساحة من التفكير فينطبع أثرها على السلوك والعمل فيصبح صاحبها محطم الآمال سريع اليأس.
إنك ترى بعض الشباب قد شغل بمشكلة خاصة به، وقد تكون في قضية شرعية، فتراه يشتكي أنه يقع في هذه المعصية أو تلك تراه يشتكي أنه يقصر في تلك الطاعة أو تلك تراه يشتكي من مشكلة أيًا كانت هذه المشكلة، فتسيطر هذه المشكلة على تفكيره وتستولي عليه فتصبح هاجسًا أمامه حتى يتحول هذا الرجل إلى شاب محطم الآمال، ليس لديه قدرة أن يعمل وأن يقدم أو ينتج فتتحول وبالًا عليه.
أو ذلك الذي شغل بمشاكل الدعوة، ومشاكل العمل الإسلامي، ومشاكل الأمة فأصبح الرجل محطم الآمال محطم التفكير لا يتحدث معك إلا عن المشاكل لا يتحدث معك إلا عن الخلافات إلا عن الإحباط الذي حصل له من جراء ثقته بهذا العمل فبان على خلاف ما يظن ثقته بفلان فبان على خلاف ما يظن، إلى غير ذلك، وكان ماذا؟ إن هذا الذي استولت عليه هذه المشاكل جدير بأن يقف مع نفسه فيخصص لحظات ودقائق من وقته ليفكر تفكيرًا جادًا ماذا يغني هذا التفكير، وماذا يغني هذا الانشغال بهذه المشاكل، والتفكير فيها، والحديث عنها، وماذا عساه أن يقدم له؟! إننا نوافقك على أن هذه مشاكل موجودة سواء كانت في شخصك، أو كانت في أوساط الشباب والناشئة، أو كانت في أوساط العمل الإسلامي، وهي مشاكل يعاني منها الجميع، ولا شك أنها تؤرق ليل المخلص تؤرق ليل الصادق ليل من يحمل هم هذا الدين وهذه الدعوة الصادقة؛ ولكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا قدمنا من عمل، وماذا يغني الانشغال بالمشاكل والتفكير فيها؟ إنه لا يعدو أن يكون فيروسًا يقتل العمل المنتج فيروسًا يقضي على الإبداع فيروسًا يحطم كل همة يمكن أن تتولد عند صاحبها حينما يرى منكرًا حينما يرى سوء واقع الأمة حين يسمع كلامًا يحضه على العمل فتتحطم الآمال فيعود صاحبنا لا يستطيع أن يتخذ قرارًا لا يستطيع أن يعمل عملًا، سيطرت عليه هذه المشاكل وهذه الهموم.
لقد نهى الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينشغل بهذه الهموم نهى نبيه صلى الله عليه وسلم الذي تحمل ما تحمل في سبيل الدعوة لدين الله عز وجل، والجهاد لإعلاء كلمته، عن أن يهلك نفسه وأن ينشغل بالهم على أولئك المعرضين: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف:6] {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء:3 - 4] .
{وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام:35] فما بالنا بعد ذلك ننشغل بالحديث عن المشاكل فتسيطر علينا حتى تؤدي بنا إلى الإحباط؟!