إن مرحلة العواطف والحماسة مرحلة يجب أن نتجاوزها، ومرحلة ستر العيوب وإخفاء الأخطاء سلوك يجب أن نتخلى عنه، ومن ثم كان لا بد من دعوة للمصارحة، فهي دعوة للمصارحة على المستوى الفردي وعلى المستوى الجماعي: أما على المستوى الفردي: فمن سجية النفس وطبيعتها التي فطرها الله عز وجل عليها أنها ترهب الخطأ وتهاب الانحراف وترفض تأنيب الضمير واللوم الداخلي، وتلك صفة يكفي في استحقاقها كون المرء إنسانًا، فالناس كل الناس مؤمنهم وكافرهم برهم وفاجرهم أيًا كانوا تلومهم أنفسهم حين يقعون في الخطأ، ويواجهون سياطًا من اللوم والعتاب من تلقاء أنفسهم حين يرون أنهم وقعوا في الخطأ أيًا كان هذا الخطأ ومهما كان مصدره ومهما كانت مقاييسه وموازينه.
وقد يكون الخطأ عند زيد من الناس هو الصواب بعينه عند عمرو، وقد يكون الحق عن طائفة هو الباطل عند طائفة، لكن الناس يشتركون في أنهم يرفضون الخطأ ويهابونه وتلومهم أنفسهم لومًا عنيفًا عندما يقعون في الخطأ، فهم يشتركون في هذا الأصل وإن اختلفوا في مقياس الخطأ والصواب، وهذا أمر لا يعنينا، إنما الذي يعنينا هو أن تأنيب النفس ولومها أمر مشترك عند الناس جميعًا.
أما المسلم الذي يدرك قيمة الحياة وغايتها ويعلم أن الدنيا دار ممر، وأن الدنيا وسيلة للدار الآخرة فهو أشد لومًا لنفسه وأشد عتابًا ومحاسبة لنفسه، ومن ثم فإنه تواجهه نفسه بسياط مؤلمة من اللوم والتأنيب والمحاسبة على الخطأ الذي يقع فيه، وحين تثقل على النفس تبعة الخطأ وتنوء بحمل نتائج التقصير فإن الإنسان حينئذ يمارس حيلًا لا شعورية مع نفسه لينفي عنها الخطأ أو يهون من حدوده، أو يخفف تبعاته، كل ذلك يعمله مع نفسه حتى يسلم من اللوم والعتاب الداخلي، وتارةً يحاسب نفسه ويراجعها؛ لكن هذه الحيل تساهم في إخفاء الحقيقة وفي تكوين ركام من الأوهام تحجب عنه الرؤية الصادقة تحجب عنه الحقيقة فحينئذ يخادع نفسه ويكذب على نفسه ومن ثم كان لا بد له من دعوة للمصارحة حتى يكون صريحًا مع نفسه.