وبعد هذا السرد الطويل لهذه الآيات في كتاب الله عز وجل ولبعض ما روي عن سلف الأمة من عيبهم لأولئك لا بد من الحجة والبرهان في اعتقادنا وعبادتنا، فلا يسوغ أن نعتقد أمرًا في ذات الله سبحانه وتعالى إلا وعندنا فيه حجة وبيّنة وبرهان، وإلا كنا مثل أولئك الذين حينما يأتيهم نبي يقولون: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ} [ص:7] {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ} [المؤمنون:24] {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف:22] .
وفي عبادتنا أيضًا لا يسوغ حين يدعونا فلان من الناس ومعه حجة من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعونا إلى أن نترك أمرًا مبتدعًا في دين الله، فنحتج عليه بأنه أمر ورثناه واعتدنا عليه، ولم نشهد له نكيرًا، فهذا هو منطق أولئك الذين يقولون: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ} [المؤمنون:24] .
ولا يسوغ حين يُنكر علينا منكر، أو حين نؤمر بمعروف أو أمر لم نعهده، لا يسوغ حين نُدعى لذلك بدليل وبرهان من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أن نقابل الحجة والبرهان بما تلقيناه وورثناه من آبائنا وأجدادنا، أو ما سمعناه من فلان وفلان من الناس.
وفي دعوتنا حين ندعو الناس ينبغي أن ندعو بالحجة والبرهان والدليل، وهكذا كان أنبياء الله.
وفي المحاجة والمخاصمة حين نجادل وحين نخاصم الناس لا بد أن نُحاج بالدليل والبرهان والحجة، أليس الله عز وجل قد حاج الذين اتخذوا من دونه آلهة وطالبهم بالبرهان؟ أليس قد طلب السلطان من الذين جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا؟ أليس الله سبحانه وتعالى قد طلب من الذين ادعوا أنهم وحدهم هم الذين يدخلون الجنة يهودًا كانوا أو نصارى، قد طلب منهم البرهان؟ فأن يُطلب البرهان من غيرهم من باب أولى.
ومن هنا فلا مقام في ميدان الحجة والجدل إلا بالدليل والبرهان مهما كنا نفترض بطلان حجة من نجادله ونُحاجه.
صاحب البرهان هو الذي ينجح ويقنع الناس؛ لأن البرهان والحجة والدليل لا يقف أمامها أحد، ويخضع لها الناس الصادقون الذين ليس لديهم هوى وميل إلى حظوظ النفس.
صاحب البرهان والحجة هو وحده الذي لا يتناقض، أما الذي تحكمه العواطف فهو يقول قولًا اليوم ثم تأتيه عاطفة أخرى فيقول بخلافه، ويومًا يقول القول وينقضه غدًا، أما الذي دافعه ورائده الحجة والبرهان فإنه لا يتناقض، ولو رأى الدليل في غير ما قاله بالأمس فإنه يستطيع أن يقول وبكل ثقة وطمأنينة: قد كنت قلت هذا القول فبدا لي خلافه، والحق ضالة المؤمن، والرجل الشجاع الصادق هو الذي يرجع إلى الحق حين يستبين له.
صاحب البرهان هو الذي يستطيع أن يطرح رأيه بوضوح بعيدًا عن الضجيج والصخب والاتهام، والإرهاب الفكري، إن الذين يجنحون إلى الألقاب الواسعة والفضفاضة، الذين يعمدون إلى لغة الصخب والضجيج ورفع الأصوات، الذين يعمدون إلى مصادرة أصوات الخصوم هم أولئك الذين لا يملكون حجة ولا برهانًا، أما الذين يملكون الحجة والبرهان فهم يطرحون رأيهم بوضوح وهدوء، ويحملون أتم الاستعداد على أن يدافعوا عن قولهم، وينافحوا عنه بعيدًا عن الاتهام والصخب والضجيج، والحديث عن النوايا والألفاظ المنمقة.
وأخيرًا: صاحب الحجة والبرهان والدليل هو الذي ينجو يوم القيامة ولو أخطأ نعم ولو أخطأ؛ لأن الله عز وجل سيسأل يوم القيامة: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:65] .
فالناس جميعًا سيسألون: ماذا أجبتم المرسلين فيما أتوكم به من كتاب الله سبحانه وتعالى؟ وفيما أتوكم به مما قالوه لكم وهم لا ينطقون عن الهوى؟ فلئن اجتهد المرء في أمر واتبع نصًا من كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فلم يوفق لاتباع الحق فهو مأجور على اجتهاده، أما الذين يتبعون البشر فيا ويلهم حين يسألون هذا
السؤالماذا أجبتم المرسلين؟ فماذا عساهم أن يقولوا؟ ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله في خصامه مع أهل البدع: لا بد أن نلقاه نحن وأنتم في موقف العرض العظيم الشان وهناك يسألنا جميعًا ربنا ولديه حقًا نحن مختصمان فنقول: قلت كذا وقال نبينا أيضًا كذا فإمامنا الوحيان فافعل بنا ما أنت أهل له نحن العبيد وأنت ذو الغفران أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم اتباع كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يجنبنا وإياكم الأهواء ومضلات الفتن إنه سبحانه وتعالى سميع قريب مجيب.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.