الأسلوب الخامس: الانشغال بالمصالح الخاصة.
يعني عندما تطلب من أي إنسان أن يشارك في أي أمر كأحد طلبة العلم: نريدك أن تسافر إلى منطقة قريبة لتلقي محاضرة أو تعطي كلمة أو أي جهد دعوي تقوم به، فتطلب منه أي عمل يحتاج إلى أن يفرغ له جزءًا من وقته، وحينئذ سيعطيك قائمة من الأعذار: أنا عندي المنزل، والأولاد، والزوجة، أو أعمال خاصة وارتباطات خاصة، وأنا إنسان لي ظروفي الخاصة.
فنقول: هل أنت كائن آخر غير البشر يا أخي؟ كل الناس عندهم زوجات وعندهم أبناء، بل النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول: (لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت خلاف سرية تغزو في سبيل الله) كان عنده تسع زوجات وكم غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم؟ ناهيك عما يقضيه النبي صلى الله عليه وسلم من وقته لخدمة دين الله سبحانه وتعالى وهو في المدينة، وهو في حجر أزواجه، وهو في مسجده، في كل حياته كان النبي صلى الله عليه وسلم يعيش لهذا الدين ولهذه الأمة، وكان يمنعه صلى الله عليه وسلم من أن يشارك في كل غزوة وكل سرية ما كان يمنعه زوجاته وأهله، ومهما كنت لن تكون خيرًا منه صلى الله عليه وسلم يقول: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) .
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم من دفنوا في الهند، وتحت أسوار القسطنطينية، وفي أفريقيا هنا وهناك، أين كانت قبور أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ ألم يكن لهم أزواج؟ ألم يكن لهم أبناء؟ ألم يكن لهم ضيعات وبساتين؟ بل كانت ظروف أولئك غير ظروفنا، الآن يستطيع أحدنا أن يسافر إلى منطقة ثم يعود في نفس اليوم وبكل راحة أحيانًا أحد مشاغله في نفس المدينة قد يأخذ عليه أكثر مما يأخذه عليه السفر إلى تلك المدينة وغيرها، وهكذا قائمة بمثل هذه المشاغل وهذه الظروف التي يبديها لك الإنسان حتى يتخلص من المسئولية.
وإذا أتيت إلى طالب العلم قال: أنا عندي بحث، أنا عندي رسالة ماجستير، عندي رسالة دكتوراه، عندي مشاغل، عندي كذا وكذا حتى تطلب منه أن يلقي محاضرة لا تحتاج منه إلى تحضير وقد تكون جزءًا من بحثه فيعتذر، أو تريده أن يشارك في مشروع أيًا كان فيعتذر لك بمثل هذه الأعذار الطويلة، لكن عندما تدعوه إلى وليمة تجد عنده استعدادًا لأن يأتي، أو تدعوه إلى مناسبة فتجد عنده استعدادًا فأقول: يجب أن نعيد النظر في كثير من هذه الأعذار والمشاغل الخاصة التي ننشغل بها، أنا لا أدعو الإنسان إلى أن يترك أهله ويترك أزواجه ويعطّل مصالحه الخاصة جملة وتفصيلًا؛ لكن أريد أن نكون واقعيين، وأريد أن أضرب لكم مثالًا آخر: لو أن الإنسان أتيح له فرصة عمل خارج الدوام الرسمي، أو أتيح له فرصة انتداب لمدة شهر أو شهرين، فالكثير من طلبة العلم نلح عليه أحيانًا ونطلب منه أن يشارك في محاضرة أو كلمة نعرف أن مادتها موجودة عنده فيعتذر بأن عنده رسالة ماجستير، أو رسالة دكتوراه، ويأتيه أحيانًا انتداب لمدة شهر فيذهب ولا يهم رسالة الماجستير أو الدكتوراه، ولا يهم زوجة، ولا أبناء فكل المشاغل هذه لا أدري كيف انتهت؟ ثم من القضايا المعروفة لدينا جميعًا أن الأحكام تختلف باختلاف الزمان والمكان، فهناك فرق بين عصرٍ الأمةُ فيه ممكنة، يبقى واجب المسلم أن يعبد الله سبحانه وتعالى، وأن يخدم الأمة بما تحتاج، وينكر المنكر بما يراه، فرق بين هذا العصر وبين العصر الذي تعيش فيه الأمة أسوأ أحوالها.