الوقفة الثالثة حول النحر: إذا كان النحر من أفضل أعمال الحج، بل هو مما شُرعت المناسك من أجله، وأفضل أيام الحج بل أيام العام هو يوم النحر؛ إذا كان النحر بهذه المنزلة فهو عبادة عظيمة من أجل العبادات، وصرفه لغير الله عز وجل يعني بكل بساطة أن هذه عبادة لغير الله وشرك به، ولهذا أمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يخلص هذه العبادة: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2] ، وأمره أن يجهر بها للناس: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام:162 - 163] وهذا يعني بكل بساطة أن صرف ذلك لغير الله عز وجل إشراك به.
ويحذر صلى الله عليه وسلم أمته من صرف هذه العبادة لغيره سبحانه، ففي صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات: (لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثًا) ، بل ويسد النبي صلى الله عليه وسلم أبواب الذبح لغير الله عز وجل وطرقه، فحين يأتيه رجل يستأذنه في الوفاء بنذره وقد نذر أن ينحر إبلًا ببوانة، فسأله صلى الله عليه وسلم: (أكان فيها عيد من أعياد الجاهلية؟ أو كان فيها وثن من أوثانهم؟) إن هذا كله إقامة للسياج حول هذه العقيدة، حول هذا التقرب إلى الله عز وجل حتى لا يخرق هذا السياج ويتجاوز، فما بالنا نرى المسلم الذي ينحر لله في هذا الموسم ويتقرب له يريق الدماء وينحر القرابين لغير الله، فتارة يستجيب لأمر مشعوذ أو ساحر، فيذبح طائرًا أو حيوانًا يهل به لغير الله، وتارة أخرى يذبح للجن، وأخرى يذبح أمام حجارة أو رفاة قبر! إن هذا المشهد مع ما فيه من خرق لسياج التوحيد، وتسور لحدود الشرك فهو يحكي نفسية ضعيفة، تخاف من الجن وتخشى بطشهم، تشعر أن كل ما في هذا الكون عدو يكيد لها ويريدها بسوء، ويحكي صورة من صور الجهل والتخلف الجهل بالأسباب والمقدمات، فهل نحره لحجارة أو رفاة سيدفع عنه ضرًا أو يجلب له نفعًا؟ إنك لتأسى على واقع هذه الأمة التي حمّلها الله الرسالة وجعلها خير أمة واستشهدها على الناس، ومع ذلك ترى البعض من المسلمين يعلقون آمالهم بحجارة صماء أو رفاة قبر عفا عليه الزمان.