ثانيًا: الفضل لله وحده: قد تتساءل بعد فترة فتقول: وفقت لسلوك هذا الطريق نتيجة قدراتي العقلية، لأني إنسان عاقل ومتزن، أملك قدرة على التفكير، و، و، وغير ذلك، فتبدأ تحلل بعض الأسباب التي أدت بك إلى العودة إلى الطريق الصحيح، وتنسى السبب الأساس والأهم وهو فضل الله سبحانه وتعالى وحده.
وهي قضية يجب أن تتصورها، وألا تغيب عن بالك، فهي من باب الاعتراف بالفضل لأهله، فالله سبحانه وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء:113] .
إذًا: النبي صلى الله عليه وسلم كان محتاجًا إلى فضل الله، وإلى رحمة الله، وإلى توفيق الله؛ ليصرف الله سبحانه وتعالى عنه كيد أولئك الذين هموا أن يضلوه.
وأبونا إبراهيم الذي سمانا المسلمين كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه، يقول وهو يدعو ربه: {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} [الأنعام:77] ، فإبراهيم غير مستغن عن هداية الله سبحانه وتعالى، وتوفيق الله عز وجل له.
والله سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي: (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم) .
إذًا: فأنت ما لم تستمد الهداية والتوفيق من الله سبحانه وتعالى فأنت في ضلال وفي خسران.
والنبي صلى الله عليه وسلم أيضًا يصور لنا حقيقة هذا الإنسان، ومدى قدرته على التحكم في نفسه، أو مدى قدرته على الاستغناء عن مولاه سبحانه وتعالى، فيقول: (إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء) ، ومفهوم تقليبها ليس مفهومًا ضيقًا، فنحن نفهم مثلًا أن هذا الحديث خطاب لمن كان مستقيمًا على الخير والطاعة أنه قد ينحرف.
لكن أيضًا حتى الإنسان الفاجر العاصي يمكن أن يقلب الله سبحانه وتعالى قلبه ليتحول إلى خير رجالات هذا الدين، بعد أن كان من أفسق الناس وأشقاهم.
ويقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: (لقلب ابن آدم أشد تقلبًا من القدر إذا استجمعت غليانا) .
إذًا: الذي يقلب هو الله سبحانه وتعالى.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال:24] .
فالشاهد إذًا: أننا يجب أن ننسب الفضل لأهله، وأن نعرف أن المتفضل الأول والأخير هو الله سبحانه وتعالى، بدءًا بالهداية الأولى حين بين لنا هذا الحق، فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي أرسل للناس الرسل، وأنزل لهم الكتب هداية، فقد قال سبحانه وتعالى عن ثمود: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت:17] ، مع أن ثمود لم يسلموا كما تعلمون، ولكن هذه الهداية التي هدى الله بها ثمود هي أن أرسل إليها الرسول.
فنحن يجب أن نعترف لله سبحانه وتعالى بالفضل أولًا: أن أرسل إلينا الرسل، وأنزل إلينا الكتب، وأبلغنا هذا الدين وهذه الدعوة.
لقد كان يمكن أن تكون أنت يهوديًا، أو نصرانيًا، أو وثنيًا تعكف على وثن، أو تكون من الطوائف الضالة البعيدة عن الإسلام، فتكون رافضيًا تتعبد إلى الله عز وجل بالخرافات والخزعبلات، أو تكون قاديانيًا تدين بنبوة ذلك الطاغوت، أو تكون صاحب نحلة أيًا كانت.
فلقد منَّ الله عليك بأن اتضح لك الطريق، بالهداية والدلالة والبيان والإرشاد، فكم من إنسان يلتبس عليه الحق بالباطل، ثم الفضل الآخر أن وفقك الله لسلوك هذا الطريق، ولو شاء الله عز وجل لكنت ممن قال: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحًا بذاك مبينا عندما قال هذه الأبيات ومات وهو يردد هذه الأبيات؛ مات على ملة عبد المطلب، وقائل هذه الأبيات هو أبو طالب، عم النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان عنده قناعة تامة، وأيقن بهذا الحق، لكنه لم يسلك هذا الحق، مع كل ما بذله من جهد في حماية النبي صلى الله عليه وسلم والذب عنه، صحيح أنه خفف عنه عذاب الله عز وجل، لكنه بقي في النار خالدًا، ولا يمكن لأمثال هؤلاء أن يدخلوا الجنة حتى يسلموا لله سبحانه وتعالى.
أقول: حتى مع وضوح الحق يبقى التوفيق في سلوك الحق -أيضًا- هي منة أخرى لله سبحانه وتعالى.
فيجب أن نستحضر هذه القضية دائمًا، وأن تستحضر أنك إذا وفقت لأداء عبادة من العبادات، أو وفقت لتوبة صادقة، أو وفقت لعمل صالح، أن تعرف أن صاحب الفضل أولًا وأخيرًا هو الله سبح