السبب السادس: القول باللازم: يعني أن أقول: يلزم من كلامك كذا وكذا، فعندما أقول مثلًا: إن الأساتذة في المدارس هم البوابة لهذا المجتمع، وهم الذين يصنعون الجيل، ويتحملون المسئولية عن صياغة الجيل، وإلى غير ذلك، فيأتيني إنسان يقول: يلزم من كلامك أن العلماء ليس لهم قيمة، وأن خطباء الجوامع ليس لهم قيمة، وأن القضاة ليس لهم قيمة، وهكذا يرتب على كلامك لوازم معينة.
وتعرفون أنتم القاعدة الشرعية عند أهل العلم في التعامل مع اللازم، فيقولون: لازم الكتاب والسنة حق، أما لازم المذهب فمسألة يبحثها العلماء، فلازم المذهب هل هو مذهب أم لا؟ يعني: لازم قولي أنا هل هو قول لي أم لا، حتى أفترض أنه فعلًا يلزمني.
فباختصار: ليس هذا وقت تقرير هذه المسألة، لكن نقول: هذا اللازم له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن تلزمني به فألتزم، أي: أن تقول لي مثلًا: إنه يلزم من كلامك كذا وكذا، أقول: نعم، أنا أعتقد كذا وكذا، الآن صار هذا قولًا لي بلا إشكال.
الحالة الثانية: أن تلزمني به فلا ألتزم، بأن تقول مثلًا: إن كلامك يلزم منه كذا وكذا، فأقول لك: لا يلزم من كلامي كذا وكذا، أو أنا لا أقصد كذا، فالآن لا إشكال أنه ليس قولًا لي.
لكن هناك شخص ليس عنده قاعدة، تقول له: أنا لا أريد كذا، أنا أعتقد كذا، فيقول لك: بل أنت تعتقد كذا، وتريد كذا، فهؤلاء ليس لنا معهم حديث، هذا إنسان سيئ النية، أو إنسان مغرض، أو عنده مشكلة ثقة، وأزمة ثقة، وليست القضية قضية فهم.
الحالة الثالثة: وهي التي يقع فيها النقاش الآن، وهي أن يفتي فلان بفتوى، أو يذكر في كتاب رأيًا أو قولًا فيلزم منه كذا، فهل يمكن أن نقول: إنه يعتقد كذا، أو يرى كذا، فأفتى في مسألة فقهية معينة، كأن قال مثلًا: من فعل كذا فإن طهارته باطلة، فنقول: إنه يلزم منه مثلًا أن صلاته باطلة، ويلزم منه كذا وكذا، فهل نلزمه بهذه الفتوى؟ فنقول مثلًا: عندما يفتي الإمام أحمد بفتوى، فيلزم منها فتوى أخرى أو رأي آخر، هل نقول: إن الإمام أحمد يرى هذا اللازم فنجعله مذهبًا له أم لا، وذلك بدون أن يلتزمه أو ينفيه؟ الصحيح أن لازم القول ولازم المذهب ليس مذهبًا؛ لأن الإنسان بشر، قد تقول: إن كلامك يلزم منه كذا، فأقول: أنا أعترف لك أن كلامي يلزم منه كذا، لكني لا أعتقد هذا، فنتيجة حماس إنسان، أو نتيجة موقف مناظرة، أو نقاش مثلًا قد يقول كلامًا غير موزون، فيغيب عنه اللازم؛ لأن الإنسان بشر، أو قد لا يسلم لك، فيقول: لا أسلم لك أصلًا أن هذا يلزم منه كذا وكذا.
على كل حال ليس هذا مجال تقرير هذه المسألة الأصولية، المقصود منها: أن لازم المذهب ليس مذهبًا، وأن لازم القول ليس قولًا، خاصة أننا نفرط في اللوازم.