إننا نطالب بأن تكون التربية متكاملة متوازنة في الوقت نفسه، سواءً على مستوى الأفراد أو على مستوى المجتمع ككل، وحين نطالب بذلك فإن الذي يدعونا لهذا الأمر مسوغات عدة: أولها: أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان يحوي جوانب مختلفة، فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وفيه جسم، وفيه عواطف متقابلة بل ومتناقضة، وخلق الإنسان وفيه عقل، وخلق فيه مشاعر.
إذًا: خلق الله عز وجل الإنسان وفيه جوانب كثيرة متنوعة، وحينئذ فالمنهج التربوي الذي يريد أن يرقى بهذا الإنسان يجب أن يكون متوافقاًَ مع فطرة هذا المرء، ولهذا صار أي تشريع للبشر من غير هذا المصدر الشرعي محكوم عليه بالفشل والبوار؛ لأنه تشريع صادر من البشر، والله سبحانه وتعالى هو الذي خلقهم: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14] ، وغالبًا ما ترى تشريعات البشر تأخذ جانبًا على حساب جانب آخر، وغالبًا ما تراها تخل بهذا التكامل أو هذا التوازن في شخصية المرء.
إذًا: فالتكامل والتوازن هو الذي يتوافق مع خلق الإنسان وفطرته التي فطره الله عز وجل عليها، ولأضرب على ذلك مثلًا: إننا حين نربي الناس مثلًا على الخضوع والتسليم لكل الآراء التي تطرح عليهم أيًا كان مصدرها، ونطلب منهم أن يعطلوا عقولهم وألا يفكروا فيما يقال لهم، فإننا حينئذ نعطل هذا العقل الذي ما خلقه الله سبحانه وتعالى إلا لحكمة، ولو استقامت أمور الناس على التقليد والتبعية لخلق الله عز وجل لنخبة من الناس عقولًا وترك سائر الناس دون عقول، أما وقد خلق الله عز وجل العقول للناس جميعًا فإن هذا يعني أن يربى الناس على أن يستخدموا عقولهم بالدرجة التي لا تخرجهم عن حدود الدائرة الشرعية، وأي تربية تسعى إلى الحجر حريات الناس وعقولهم وتفكيرهم فإنها تعارض الفطرة، وأي منهج يعارض الفطرة فإنه يحمل في طياته بذور الهلاك والبوار.
وحين نأخذ منهجًا تربويًا يأخذ جانب العقل والمعرفة وحدها ويغفل عن جانب الوجدان في نفس الإنسان نجد أنه متناقض؛ لأن المرء مفطور على العبودية والخضوع فإن لم يخضع لله عز وجل خضع لغيره من البشر، إن لم يرب على العبادة لله سبحانه وتعالى توجه بالعبادة لغيره من البشر؛ ولهذا نرى المناهج التربوية الغربية التي تصر على التخاطب مع العقل وحده، وتهمل الجوانب الإيمانية وجوانب الوجدان والعاطفة؛ نراها تخالف الفطرة وتناقضها، وحينئذ تعيش في تناقض يحكم عليها بالفشل والبوار.