فهرس الكتاب

الصفحة 451 من 1904

وسيلة ثامنة: مراعاة العمل المناسب: وهذا الجانب مهم؛ لأنك حين تتحدث عن التربية الجادة قد يذهب وهل الناس إلى نموذج معين، وهو أن الجدية تتمثل مثلًا في طلب العلم وكثرة القراءة والاطلاع والحفظ، وهذا جانب لا شك أنه مهم لسنا بحاجة إلى أن نتحدث عن ضرورته وأهميته، لكن ليس هو النموذج الوحيد المناسب لكل الناس؛ فلهذا بعض الشباب قد لا يكون أعطاه الله القدرة على مثل هذه الجوانب، ولكن عنده طاقة في جوانب أخرى، فحينما نحصر هذا الجدية في هذا النموذج، أو في النموذج الدعوي أو في أي نموذج آخر فإننا قد نشعر بأننا فاشلون في تربية أنفسنا؛ لأننا لا نطيق ذلك، أو نشعر بأننا فاشلون في تربية فلان أو فلان من الناس؛ لأنه لم يصل إلى هذا القدر.

وهذا أمر نبه عليه الأوائل، يقول معاوية رضي الله عنه لـ صعصعة بن صوحان: صف لي الناس، فقال: خلق الناس أصنافًا فطائفة للعبادة، وطائفة للتجارة، وطائفة خطباء، وطائفة للبأس والنجدة، وجرجة فيما بين ذلك، يكدرون الماء ويغلون السعر ويضيقون الطريق يعني: أن البقية يكدرون الماء ويضيقون الطريق ويغلون السعر، فإياك أن تكون من أمثال هؤلاء.

يقول قيس بن أبي حازم: سمعت خالدًا -يعني: خالد بن الوليد رضي الله عنه- يقول: منعني الجهاد كثيرًا من القراءة، وذكره الحافظ في المطالب بلفظ: لقد منعني كثيرًا من قراءة القرآن الجهاد في سبيل الله، رواه أبو يعلى وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.

وقال ابن القيم رحمه الله: ومما ينبغي أن يتعمد حال الصبي وما هو مستعد له من الأعمال، ومهيأ له منها فيعلم أنه مخلوق له فلا يحمله على غيره ما كان مأذونًا فيه شرعًا، فإنه إن حمله على غير ما هو مستعد له لم يفلح وفاته ما هو مهيأ له.

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله حول قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً} [التوبة:122] : وفي هذه الآية أيضًا دليل وإرشاد وتنبيه لطيف لفائدة مهمة، وهي أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها ويوفر وقته عليها ويجتهد فيها ولا يلتفت إلى غيرها، لتقوم مصالحهم وتتم منافعهم ولتكون وجهة جميعهم ونهاية ما يقصدون قصدًا واحدًا وهو قيام مصلحة دينهم وديناهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب فالأعمال متباينة والقصد واحد، وهذه من الحكمة النافعة في جميع الأمور.

ولهذا لا نحصر النموذج الجاد في نموذج واحد، إنما نريد الإنسان أن يعمل وفق طاقته وفق ما آتاه الله في أي ميدان، المهم أن يكون رجلًا عاملًا فعالًا منتجًا يقدم الخير للناس، وأبواب الخير كثيرة وأبواب الجنة ثمانية يدعى الناس إليها من أعمالهم، فمن كان من أهل الصلاة دعي من أبواب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، وخصال الخير أربعون خصلة من عمل بها دخل الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت