ثالثًا: لقد ورثت الأمة الإسلامية من أبيها إبراهيم عقيدة البراءة من المشركين وعداوتهم؛ {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة:4] .
فقد أعلنها إبراهيم صريحة واضحة: {كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ} [الممتحنة:4] ولحكمة عظيمة تنزل آية براءة في موسى الحج، ويرسل النبي صلى الله عليه وسلم من يقرأ بها في الموسم: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ} [التوبة:1 - 2] .
فهل يُدرك المسلم وهو يلبي نداء إبراهيم أن عليه أن يقطع الولاء لكل مشرك وكافر، ولو كان أقرب قريب؟ وألا يوالي إلا من كان حنيفًا مسلمًا؟ هل يدرك المسلم وهو يلبي، وهو يستجيب لنداء إبراهيم، وهو يستقبل البيت الذي بناه إبراهيم خمس مرات، هل يدرك أن ملة إبراهيم قائمة على البراءة من كل كافر بالله عز وجل، ومن كل مشرك أيًا كان كفره وشركه، سواء كان يهوديًا أو نصرانيًا، أو كان وثنياْ أو مرتدًا ما دام كافرًا بالله عز وجل فملة إبراهيم تقتضي إعلان البراءة واضحة، وقد أعلنها الله عز وجل، ونزلت هذه الآيات في موسم الحج وقُرئت على الناس في ذاك العام أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، فما أجدر المسلم وهو يقضي هذه المناسك أن يتذكر هذه المعاني العظيمة.
إن قومًا من الزائغين رأوا أن الحج موطن إعلان البراءة من المشركين، والبراءة عندهم من المشركين تعني البراءة من أبي بكر وعمر وممن يحبهما ويترضى عنهم، وإن استعمال أولئك الضالين الزائغين لهذا المصطلح الشرعي لا يعني أن نتخلى عنه، فهو مصطلح جاء في كتاب الله عز وجل، وأمر الله سبحانه وتعالى به، ونودي بهذه الآيات في يوم الحج الأكبر في يوم النحر، فاستخدام أولئك لها استخدامًا خاطئًا لا يعني بحال أن ينسى المسلم أنه مُتعبد بذلك، لكن البراءة التي يعرفها المنتمي حقًا لملة إبراهيم غير تلك البراءة.