الأمر الحادي عشر والأخير وهو من أهم الأمور خاصة للمربين: التعويد.
تعويد الناس على المشاركة والعمل بأنفسهم، ولنأخذ على ذلك نماذج: في البيت مثلًا يجب أن يعوَّد الطفل من الصغر على أن يرتب حاجاته بنفسه وأن يقوم بمسئولياته، وليس لائقًا أبدًا أن يستمر الطفل إلى أن يشب وهو يشعر أنه مخدوم، فحين يقدم له الطعام لا يكلف نفسه العناء أن يحمله ويعيده ترتب له غرفته تقضى له حوائجه ويشعر أنه يعيش في البيت مخدومًا مرفهًا، والفتاة هي الأخرى كذلك فهذا يخرج لنا جيلًا غير عامل غير جاد، جيلًا اعتاد على الكسل واعتاد أن يخدم، هل نريد من هذا الإنسان الذي لا يجد عناء في ترتيب غرفته أو في قضاء حوائجه أن يعمل بعد ذلك أعمالًا جادة ومنتجة ويتحمل ويبذل؟! أشك في ذلك.
كذلك أيضًا تعويده على قضاء حوائجه الخاصة وتحمل المسئوليات وتكليفه بواجبات وأعباء، وكذلك الفتاة، لأننا حين نأمر الشاب ونكلفه بأعمال ونعوده عليها يصبح إنسانًا عاملًا تخلص من الكسل والترهل وصار العمل سهلًا عليه ويسهل أن يذهب ويأتي ويتحمل بالأسلوب المناسب بدون مشقة وبدون تكليف كذلك الفتاة حين تعود من الصغر فإن هذا يعودها على أن تتحمل المسئولية، لكن حينما نوفر لأبنائنا وبناتنا الخدم ونقضي لهم حوائجهم لأجل أن يتفرغوا ماذا نفعهم هذا التفرغ؟ يعني: توفر الوقت في القراءة والتفوق والتحصيل والجد أم في ماذا؟ حين قضينا لهم هذه الأمور وأمنا لهم هذه الحوائج ما الذي حصل؟ حصل عندنا جيل يبحث عما يقضي به وقته جيل غير جاد وليس عنده استعداد أن يتحمل أي مسئولية في التعليم وهو جانب مهم: يجب أن نغير نمط تعليمنا فهو تعليم يولد الكسل الفكري ويربي الناس على التسول العلمي والتسول الفكري، لأن الطالب اعتاد أن تقدم له المعلومات جاهزة ويقرأ هذا الكتاب ثم يحفظه ثم يكتب ما فيه في الورقة دون أي جهد ودون أي بذل؛ ولهذا لا ينشأ عندنا جيل قارئ لا ينشأ عندنا جيل يبذل الجهد فلا نكلف الطالب عناء الوصول إلى المعلومات ليس بالضرورة أن يأخذ من مصادر أخرى، لكن من خلال النقاش؛ كيف نوصل المعلومات للناس، حين أعطيه مقدمات وأطالب بالوصول إلى النتيجة وأناقشه فإني أربيه على التفكير وعلى الجهد ليشعر أنه يحصل معلومات بنفسه حين أحيله على مراجع بالقدر المناسب له وهي موجودة في مكتبة المدرسة كتب ميسرة فأعطيه الكتاب أطالبه بالرجوع إلى هذه القضية وأحيله إليها وأعوده تدريجيًا على هذه الأعمال، فإنها تعود لنا هذا الجيل، لكن حينما يكون عند الأستاذ يسمع فقط وينصت لا يمكن في النهاية أن يكون عنده قدرة على القراءة ولا تعامل مع الكتب ولا تحصيل ولا إدراك لقيمة هذا العمل.
كذلك في تحميل المسئوليات، ونعود مرة أخرى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومنهجه كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي الأمة على أن تتحمل مسئوليات وعلى أن تشارك المسئوليات الجماعية في الحديث المشهور حديث النعمان بن بشير لقوله صلى الله عليه وسلم: (مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها) إلى آخر الحديث والحديث مشهور ومعروف ماذا يعني هذا الحديث؟ النبي صلى الله عليه وسلم يحمل الأمة كلها المسئولية، ويشعر كل فرد من أفراد الأمة أنه مسئول فحين يحمل هؤلاء المسئولية يشعرون بضرورة الجدية وتحمل المسئولية.
وفي مواقفه العملية مثلًا كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يستشير أصحابه في غزوة بدر في غزوة أحد في الخندق في كل مناسبة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: أشيروا علي أيها الناس! ويأخذ برأيهم ماذا كان أثر هذه الاستشارة؟ كانت لها آثار عديدة أولًا: غرس الثقة لديهم ثانيًا: شعورهم بالمسئولية، يعني: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يتخذ القرار لكانوا يشعرون دورهم هو مجرد المشاركة، لكن حينما يشاركون في القرار ويناقشون ويأخذون ويعطون يشعرون بتحمل المسئولية؛ ولهذا خرج جيل يتحمل المسئولية وقام بالأدوار بعد أن مات النبي صلى الله عليه وسلم خير قيام؛ لأنه جيل تربى على المشاركة وليس جيل أتباع وهناك مشكلة نقع فيها في تربيتنا حينما نعود الناس في كل قضية أن نعطيهم قضايا جاهزة تمامًا، ونربي الناس على الكسل فلا يفكرون لا يستشارون، فيصبح الجيل غير قادر على حل مشكلاته جيل غير قادر على سد الفراغ الذي يتركه فلان وفلان من الناس الذين كان يعلمهم ويربيهم ويوجههم فحين يذهب يذهب أثره، أما حينما يربي رجالًا فإنه يربي قادة لا أتباعًا، وهذا جانب يجب أن يعيه المربون.
ولنعد إلى السيرة وننظر كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل أصحابه ويربيهم من حيث تأميرهم في السرايا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل سرايا ويؤمرهم عليها، بل في مهمات صعبة حينما جهز صلى الله عليه وسلم جيش أسامة لغزو الروم، فهذه تربية عملية تخرج جيلًا جادًا عمليًا، تربى عل