الأمر الرابع: العلوم التي في أصلها لا تنفع: هناك علوم قد يشتغل بها الإنسان فلا تنفعه، وقد يهتم الإنسان أحيانًا بمطالعات وقراءات وتعلم علوم، وتراه فقيهًا في هذه العلوم وهي لا تجلب له مصلحة لا في الدنيا ولا في الآخرة، والله تبارك وتعالى يقول: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم:6 - 7] نفى عنهم العلم فقال: {لا يَعْلَمُونَ} [الروم:6] ثم قال: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم:7] أثبت لهم العلم بعد أن نفاه عنهم، فهو هنا قد نفى عنهم العلم المعتبر في اصطلاح الشرع، أو أنهم لا يتعلمون علمًا ينفعهم، فبركة هذا العلم وأثره قد نفيت عنهم، ثم أثبت لهم العلم فقال: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم:7] وأي علم لا ينفع الإنسان في دينه ولا في دنياه هو داخل تحت هذه الدائرة وهذا الصنف، وما أكثر الناس اليوم ممن يتعلمون ويقرءون، ويبذلون جهودًا ومع ذلك لا ينتفعون بما تعلموا، بل قد ينتفع الناس بما تعلموا من هؤلاء وعلموهم به وهم حطب جهنم عافانا الله وإياكم.
أضرب لكم مثالًا حتى تعرفوا الفرق بين قضية تصحيح وسلامة نية الإنسان ودينه وبين ظلامه.
مثلًا: الذي اخترع الكهرباء كم ينتفع به الناس اليوم، فماذا حقق هؤلاء؟ تاه الأنام بقولهم فاليوم صاحي القوم عربد والله لا موسى ولا عيسى الكليم ولا محمد عرفوا ولا جبريل وهو إلى مقام القدس يصعد من كنه ذاتك غير أنك واحد في الذات سرمد فليخسأ الحكماء عن ذات له الأفلاك سجد من أنت يا رسطو ومن أفلاط مثلك يا مبلد؟ ومن ابن سينا حين قرر ما هذيت به وشيد؟ أي محمد صلى الله عليه وسلم وموسى وجبريل وغيرهم لم يعرفوا عن الله تبارك وتعالى إلا أنه واحد تبارك وتعالى في الذات فقط، فهل أنتم يا أفلاطون وابن سيناء وفلان وفلان علمتم علمًا لم يعلمه هؤلاء؟ فما قيمة ما تعلمه هؤلاء؟ وكما يقول أحدهم حين يحكي عن نفسه: لقد طفت في تلك المعاهد كلها وجولت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعًا كف حائر على ذقن أو قارعًا سن نادم يعني طاف وذهب وفعل وتعلم، ثم بعد ذلك لم ير علمًا ولهذا أبو المعالي الجويني والرازي وغيرهم، أوصوا من بعدهم ألا يخوضوا في هذا العلم ولا يتعلمونه؛ لأنه علم عرف هؤلاء أنه لا ينفع كما قال الرازي: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي، وتعلم مثل ما تعلمت.