المسوغ الثالث: هناك معانٍ كبيرة يحتاج إليها الإنسان في حياته العادية، فضلًا عن مسلم، فضلًا عمن يراد منه أن يساهم في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ويساهم في قيادة الأمة.
الصبر: يسهل أن تتحدث عن الصبر في خطبة، في درس، في كتاب، في مقالة، في أي مكان يمكن أن تتحدث عن الصبر، ولكن أيها الإخوة! الصبر معنىً عميق يجب أن تتربى عليه النفوس، الصبر الذي نريد يحتاج إلى مجاهدة، ويحتاج إلى جهد وتربية، وليست قضية تقف عند مجرد طرح معان معرفية، يقول الله عز وجل: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:3] .
فالصبر إذًا معنىً يحتاج إلى أن يتواصى على تحقيقه والوصول إليه.
التأني والروية، وعدم الاستعجال، الكرم، الشجاعة، المبادرة، الثقة بالنفس، أدب الحوار، معانٍ كثيرة يمكن أن نطرحها طرحًا نظريًا مجردًا، ونتحدث عن هذه المعاني، ونتذكر الصور من التاريخ من القديم والحديث، ولكن لا تتصور أن هذا وحده كافٍ بأن تغرس هذه المعاني عند النفوس أبدًا، إن هذه المعاني بحاجة إلى تربية من الفرد نفسه، ومن الأستاذ، ومن الأب، ومن الجميع أن يتربى الفرد على الصبر، ويتربى على الكرم، ويتربى على الشجاعة، ويتربى على المبادرة والثقة في النفس.
هذه المعاني -كما قلت- يحتاجها الإنسان العادي؛ حتى يعيش حياة سوية، فضلًا عن المسلم، فضلًا عمن نريد منه دورًا أعظم من ذلك كله، نريد منه أن يساهم في قيادة الأمة.
من السذاجة أيها الإخوة! أن نتصور أننا يمكن أن نصل إلى هذه المعاني وأن نحققها من خلال الطرح النظري المجرد، ومن خلال الحديث العاطفي، الجميع يجيد الحديث عن ذلك، ولو طلبت من أحد الإخوة الحضور أن يتحدث عن جانب من هذه الجوانب لأشبعه حديثًا، ولكن هذا شيء والتربية عليه شيء آخر، مع عدم إهمالنا أيضًا للطرح المعرفي والنظري، فهو خطوة أولى في طريق التربية.
هذه المعاني -كما قلت- لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال التربية.
تأمل مثلًا في السيرة النبوية مرة أخرى، فهناك معانٍ تربى عليها الجيل الأول من خلال الميدان، من خلال العمل والواقع، ولم تكن تعرض هكذا عرضًا أجوف، اقرأ في القرآن مثلًا لترى أن القرآن يربي الأمة من خلال الأحداث والمواقف.
كانت حادثة الإفك حدثًا هز المجتمع كله، وصار حديث الناس كلهم، فانظر كيف تربت الأمة من خلال هذا الحدث على معاني التثبت، والتأني، وحسن الظن بالمؤمنين، إلى غير ذلك من تلك المعاني العميقة التي لو طرحت طرحًا مجردًا لم يكن أثرها في النفوس مثلما كان من خلال التربية بالحدث.
معاني النصر والهزيمة التي تراها تطرح مثلًا في سورة الأنفال بعد أحداث غزوة بدر، ولا يزال رنين السيوف في آذان المسلمين، في ذلك الوقت سمعوا الحديث عن معاني النصر والهزيمة، وحقيقة الحياة الدنيا، وسمعوها بعد غزوة أحد، وجراحهم لا تزال تنزف، وقتلاهم لم يدفنوا بعد، تنزلت تلك الآيات التي تتحدث عن معاني النصر والهزيمة، والتمحيص، والحياة الدنيا، والتعلق بها إلى غير ذلك.
تلك المعاني التي تربى عليها الجيل الأول من خلال الحدث، من خلال الميدان، لم تكن معاني مجردة تطرح على الناس وهم في بيوتهم، أو في المساجد أو في المدارس.