ثامنًا: كيف ساد الرجال؟ حين نقرأ في سير السلف، نرى أمرًا عجبًا كيف كان أولئك يتربون التربية الجادة؟ كيف كان أولئك ينظرون إلى الحياة، يقول عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه: سمعت أبي يقول: كنت ربما أردت البكور في الحديث فتأخذ أمي بثيابي وتقول: حتى يؤذن الناس أو يصبحوا، وكنت ربما بكرت إلى مجلس أبي عياش وغيره، الإمام أحمد يريد أن يخرج إلى الدرس قبل أن يؤذن الفجر فتأخذ أمه بثيابه رحمة به وشفقة عليه حتى يؤذن الناس، والآن عندما تطلب من أحد الشباب موعدًا بعد الفجر، أو الساعة السابعة يقول لك: يا أخي صعب.
يعني: ما نستطيع نرتاح قليل، إلى غير ذلك من أساليب الاعتذار التي تنم فعلًا عن تخلف الجدية.
ابن أبي حاتم يقول: كنا بمصر سبعة أشهر لم نأكل فيها مرقة، نهارنا ندور على الشيوخ، وبالليل ننسخ ونقابل، فأتينا يومًا أنا ورفيق لي شيخًا فقالوا: هو عليل، أيك وجدوا فرصة ليأكلوا طعامًا دسمًا، لما أتوا للشيخ ووجدوه مريضًا، قال: فرأيت سمكة أعجبتنا فاشتريناها، فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس بعض الشيوخ، فمضينا فلم تزل السمكة ثلاثة أيام وكادت أن تنتن فأكلناها نيئة، لم نتفرغ لنشويها، ثم قال: لا يستطاع العلم براحة الجسد.
والآن عندما تقدم للشباب وجبة غير مناسبة لهم تسمع الحديث والكلام: وجبة جافة إلى غير ذلك من التمعر والحديث، فليس عنده استعداد أن يتحمل أن يجوع يومًا من الأيام أو على الأقل أن يشبع، لكنه من طعام لا يشتهيه، أولئك الرجال إذا كنا جادين نريد أن نتربى مثل أولئك الرجال، فلنقرأ في سيرهم ونعرف كيف كانوا؟