من العوائق الورع الزائد: أحيانًا تقول: يا أخي قل كلمة، افعل هذا الأمر، فيقول لك: يا أخي الله المستعان، ما أنا بأهله، وهذا منطق عجيب! فهو جاد يرى أن من الورع أن لا يقول هذه الكلمة.
ذات مرة كان هناك طالب علم ورجل خيّر فقلت له: يا أخي أريدك أن تلقي كلمة أو محاضرة، فقال: لسنا أهلًا لهذا الأمر والله المستعان، قلت له: أنت الآن تدرس وتعلم طلاب العلم، وتقول كلامًا وتأخذ عليه أجرًا فهل تورعت في يوم من الأيام وأنت تعلم العلم وتوقع عن رب العالمين وتدرس الناس العقيدة، أو تدرس الناس تفسير كلام الله عز وجل! إنك لم تفكر أبدًا أنك تكون ممن قال في القرآن بما لا يعلم، ولا فكّرت يومًا من الأيام أنك تخشى أن تقول على الله عز وجل بغير علم في العقيدة أو الفقه لأنك تأخذ أجرًا على هذا العمل، لكن حين تلقي موعظة على الناس تحسب ألف حساب وتتخيل أن هذا من الورع، إنها المفارقات عجيبة! ومنطق عجيب جدًا! دعنا من هذا، فيمكن أن أعطيك سؤالًا آخر: أنت الآن تورعت عن أن تتكلم لكن أليس هناك بابًا آخر في الورع؟ ألا تتورع عن السكوت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) فبدأ بقول الخير، إذًا فأنت قل خيرًا أو اصمت، لكن حينما تشعر أنك قادر أن تقول الخير فإنك يجب أن تقوله.
أنت تتصور الآن أن من الورع أن تسكت، وأن لا تتكلم لكن يا أخي أليس من الورع أن تتكلم؟ وما فكّرت يومًا من الأيام أنك حين تهم بالسكوت، أو تهم بالقعود عن العمل أن الورع يدفعك إلى العمل، وأنك ترى أن من ورعك أن تعمل، لأنك عندما تفكر تجد أن هذا كلام لا بد منه، لأني عندما أعرف ما عند الناس من فساد، وأعرف حاجة الناس إلى ما عندي، وترددت بين أمرين: إما أن أسكت ولا أعمل شيئًا ورعًا، وإما أن أجتهد وأبذل السبب وأعمل ولو وقعت في خطأ ووقفت بين يدي الله عز وجل أقول له: يا ربي {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] فقد أتيت بما في وسعي واجتهدت، والله عز وجل يغفر للإنسان: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران) .
وهذي ليست قضية خاصة بالحاكم، فكل إنسان اجتهد في ميدان بذل وسعه وخطا خطوة وكانت خطوة غير صائبة فهو مثاب على ذلك، وإن أصاب فله أجران! الأنبياء هم أئمة الورع وهم الذين قص الله عز وجل قصصهم في القرآن، هل تورع واحد منهم في يوم من الأيام عن النصح، وأخبرنا الله تبارك وتعالى في كتابه أنه أخذ الميثاق على الذين آتاهم الكتاب: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ} [آل عمران:187] وأنتم كلكم أوتيتم الكتاب، فأنتم تقرءون القرآن، وعدد منكم يحفظ القرآن أو يحفظ أجزاء من القرآن، أو على الأقل القضية الذي نريد القيام قد أوتيها من الكتاب، فهو يعلمها ويعلم حكمها، إذًا فقد أُخذ عليك الميثاق أن تبين للناس، وأن لا تكتم ما عندك، فلا مجال للورع في هذا الأمر.
أفلا تشعر أنه قد أُخذ عليك ميثاق غليظ؟ ألا تشعر أن من الورع أن تتورع عن كتم هذا الأمر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كتم علمًا أوتيه أُلجم يوم القيامة لجامًا من نار) ؟ أم تتصور أن هذا الخطاب خاص بالعلماء؟ لماذا أنت تتورع أن تقول ما لا تعلم، أو تخشى أن تكون ممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (كنت آمركم بالخير ولا آتيه) لكن لم تفكر في يوم من الأيام أنه يمكن أن ينطبق عليك: (أُلجم يوم القيامة لجامًا من نار) ، والله عز وجل يقول في كتابه {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة:159] .
وهذه الآية ليست خطابًا لفئة خاصة من الناس، بل كل إنسان يعلم شيئًا أنزله الله عز وجل للناس ثم كتمه مستحق لهذا الوعيد، فلماذا لا تتورع عن أن تنزل عليك لعنة الله، وأن يلعنك اللاعنون؟ فالذي يتصور أن من تمام الورع أن لا يقول كلمة، من تمام الورع أن لا يأمر بمعروف، من تمام الورع أن لا ينهى عن المنكر، من تمام الورع أن يغلق عليه بابه، وأن يعيش لوحده ويقول: أشغل نفسي بالعبادة والدعوة سيقوم بها غيري نقول له: لا يا أخي! الورع الحقيقي أن تتورع عن السكوت، أن تتورع عن عدم العمل ولا شك أننا لا ندعو الناس إلى أن يتهوروا، ولا ندعو الإنسان أن يقول ما لا يعلم، وأن يتصدى لما لم يتأهل له، لكن على الأقل الورع له ضوابط معينة، وكما يكون في الفعل فهو أيضًا في الترك، فكما أنك تتورع عن فعل شيء يجب أن تتورع عن ترك أمر هو واجب عليك.