فهرس الكتاب

الصفحة 1765 من 1904

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.

أما بعد: فهي فرصة طيبة أن نلتقي بإخواننا الشباب هذا اللقاء المبارك في هذه البلدة التي تشرفنا بزيارتها، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون وإياكم من المتحابين بجلاله، وأن يظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

معشر الشباب! عنوان هذه المحاضرة كما سمعتم: ماذا بعد الهداية؟ ظاهرة نشهدها كثيرًا ونراها، وربما نكون نحن أيضًا من نتاج هذه الظاهرة، ترى صورة ذاك الشاب الذي عاش فترة من الغفلة والإعراض والجرأة على ما حرم الله سبحانه وتعالى، وعاش مرحلة من التيه والضياع، ثم من الله سبحانه وتعالى عليه بالهداية، فهداه الله عز وجل، وسلك طريق الخير والاستقامة.

أو ذاك الشاب الذي قد لا يكون كصاحبنا، قد لا تكون له تجربة في الفساد والإغراق فيه والانحراف، لكنه هو الآخر له تجربة قريبة من هذه التجربة، قد يكون عاش شخصًا عاديًا لا اهتمام له، وغاية ما يشكل عنده أهمية فوز فريق رياضي أو تقدمه، أو قضية صغيرة أو كبيرة، أما قضية الاستقامة وقضية الدين فلا تقدم عنده ولا تؤخر كثيرًا، ثم من الله سبحانه وتعالى عليه هو الآخر بالهداية، ونعتبرها في الواقع نقلة مهمة، فسلك مع الشباب الأخيار طريق الخير والاستقامة، فصار مع هذا الرأي.

ومن ثم كان لابد لهؤلاء وأولئك ولجميع الذين سلكوا هذا الطريق من حديث خاص حول هذه المرحلة التي انتقلوا إليها وسلكوها، ولئن كان الحديث فيما قد يبدو لنا خاصًا بأولئك الذين هم حدثاء عهد بهذه المرحلة إلا أني أتصور أنه قد يعنينا جميعًا، وسنجد جوانب من هذا الحديث تعنينا ونشترك فيها جميعًا.

الجانب الأول: هذه الهداية إنما هي عودة إلى الأصل: فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الروم:30 - 31] .

أي: أن الله سبحانه وتعالى فطر الناس منيبين إليه، ومسلمين له، ومتوجهين له، فالبعض قد يتصور أنه ما دام هو قد تحول إلى هذا الطريق، أو ما دام فلان من الناس أيًا كان هذا الشخص قد تحول إلى هذا الطريق، فإن هذا يعني أنه قد سلك طريقًا آخر، ومسلكًا آخر، ودربًا آخر.

ولكن نحن نقول: إن هذا الشخص إنما عاد إلى الأصل، وعاد إلى المسار الطبيعي الذي كان ينبغي أن يسير فيه، والذي كان هو عليه أصلًا، فإن الله سبحانه وتعالى قد أخبر أنه فطر الناس منيبين إليه، ومتوجهين له، ومسلمين له.

ونلمس هذا المعنى أيضًا واضحًا، بل قد يكون بصورة أدل وأقوى في الدلالة من قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه يقول: (خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن ذكر الله عز وجل، فحرمت عليهم ما أحللت لهم) .

إذًا: الجميع خلق أصلًا على هذا الطريق، وخلق في هذا المسار، ثم جاءته الشياطين فاجتالته، فأخذ المسار الآخر، فعندما يهتدي فإنه يعود إلى الأصل الذي كان هو عليه وخلق عليه.

وكما قال صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود يولد إلا على الفطرة، حتى يعجم عنه لسانه، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) .

هذا جانب من الجوانب التي تعطينا دلالة على أن هذا الشاب الذي سلك هذا الطريق لم يسلك طريقًا جديدًا أصلًا، ولم يسلك مسارًا مبتدعًا، إنما عاد إلى الأصل وإلى الوضع الطبيعي والمسار الذي كان عليه.

جانب آخر أيضًا: اخرج خارج المدينة وتأمل فيما أمامك تجد الجبال والأشجار، ومظاهر هذا الكون، وارفع نظرك إلى السماء تر السماء والنجوم وتر ما فيها، وحينئذٍ ستتذكر قول الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج:18] .

إذًا: فترى هذا الكون أمامك بكل ما فيه يسجد لله سبحانه وتعالى، يسجد له عز وجل من في السماوات ومن في الأرض، والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، وكثير من الناس، وكثير حق عليه العذاب، حتى كثير ممن حق عليه العذاب هو في حقيقة أمره في بعض جوانب حياته يخضع ويسجد ويسلم لله سبحانه وتعالى.

{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [الرعد:15] ، لعلك تبحث عن الظل لتجلس تحته، أو لتوقف سيارتك في مكان تستظل به، ثم تتذكر فعلًا هذا الظل الذي يمتد ويعود مرة أخرى ويرجع، فتراه في الصباح يبدأ يتناقص، ثم ف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت