الجانب السابع: الاختيارات الفقهية: هناك مسائل جاءت فيها نصوص واضحة، ولهذا فإنك ترى الأمة لم تختلف فيه، أو ترى جمهور الأمة قد اتفقوا عليها، لكن هناك مسائل هي محل خلاف بين أهل الفقه، ولا يزال أهل العلم يختلفون فيها، وسيبقون مختلفين إلى أن تقوم الساعة، فإذا كان هذا الاختلاف وسع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وحصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فكيف بمن بعده؟! قد يترجح عند الإنسان رأي في مسألة فقهية فيغلو في ترجيح هذا الرأي له، ويأخذ الأدلة الكثيرة جدًا على تحريم هذا الأمر أو على وجوبه أو على استحبابه أيًا كان، ويخيل للناس أن هذا البحث الذي قام به أو هذا التقرير الذي قرره سيضع النقاط على الحروف وسيغلق الباب في مثل هذه المسألة إلى غير ذلك، ويتحدث في المسألة على أن هذا الحديث حق لا يقبل النقاش، وعلى أن أولئك الذين يرفضونه يرفضون الحق، يرفضون الدليل، نعم كثيرًا ما يترجح رأي لطالب في مسألة اجتهادية، ويرى أنه قد لا يسوغه أن يقول بغيرها، لكن هذا شيء والقطع والمبالغة في الرأي فيها شيء آخر.
دعوني أضرب على ذلك مثلًا: تعلمون أن حلي المرأة اختلف أهل العلم في وجوب الزكاة فيه، فالجمهور على أنه لا تجب فيه الزكاة، ومعظم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نقل عنهم الفتوى بعدم وجوبه، وهناك رأي آخر -وله أدلته- أن الزكاة واجبة في الحلي، لا نريد أن نقرر هذه المسألة الفقهية، لكن هذا خطيب يخطب أمام الناس ويتحدث عن أولئك الذين لا يؤدون زكاة الحلي، ويقول: إن هؤلاء من حطب جهنم إلى غير ذلك، وهناك فرق بين من يمتنع عن الزكاة، ولا يؤدي الزكاة، وبين من يرى أنه لا يجب عليه أن يخرج الزكاة في هذا المال، وقد وسع هذا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكيف لا يسع غيرهم؟! نعم كثيرًا ما يشعر طالب العلم أنه لا يسعه إلا هذا، قد يشعر أنه لا يسعه إلا أن يخرج الزكاة في هذا، لا يسعه إلا أن يعمل بهذا القول وذاك، لكن هذا شيء وأن يلزم الناس به شيء آخر، وأن يرتب عليه الأحكام شيء آخر.
وهاهنا نقطة مهمة ينبغي أن نشير إليها: ففي المسائل الاجتهادية كثيرًا ما تجد رأيًا يميل إلى الحزم والتشديد ورأيًا يميل إلى التيسير، لا يعني ذلك أن الذي يختار رأيًا فيه تشديد -كالذي يختار إيجاب الزكاة في هذا المال أو ذاك، وكالذي يختار بطلان الصلاة والوضوء بهذا العمل- لا يعني أنه غال، إذا تحقق فيه شرطان: إذا كان هذا الرأي عن اجتهاد وهو من أهل الاجتهاد أو قلد من هو أهل أن يقلد في ذلك، ولم يشدد على الناس في هذا الأمر، ولم يتجاوز هذا القدر، فإن اختياره لهذا الرأي الأحوط والأشد لا يعني الغلو، ولا ينبغي للطرف الآخر أن يتهم هذا الإنسان بالغلو؛ لأنه اختار هذا الرأي الأحوط والأشد، بل إن الناس يختلفون ويتفاوتون كما سيأتي في الحديث، فقد تجد من الناس من يغلب عليه أنه يأخذ بالعزيمة في آرائه وفتاواه حتى في حلفه للناس، وبعض الناس يغلب عليه الأخذ بالتيسير، وهذا الأمر منذ سلف الأمة وإلى قيام الساعة.
المقصود: أن من يختار هذا الاجتهاد لا يعني ذلك أنه قد غلا، إنما الغلو هو أن يجاوز القدر، حين يقرر هذه المسألة يجعل من خالفها مبتدعًا، ويجعل من خالفها فاعلًا للمعصية، ويجعل من خالفها فيه كذا وكذا، إلى غير ذلك.