فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 338

للمصدر كما في الضاربية. وأجاب الأولون بأن الشيء ينسب لنفسه مبالغة. ومبحث الوحدانية أشرف مباحث هذا الفن، ولذلك سمي باسم مشتق منها فقيل (علم التوحيد) ولعظم العناية به كثر التنبيه والثناء عليه في الآية القرآنية، فقال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] إلى غير ذلك من الآيات، والمراد منها هنا: وحدة الذات والصفات، بمعنى عدم النظير فيهما، وأما وحدة الذات بمعنى عدم التركب من أجزاء، فسيقت في المخالفة للحوادث، ووحدة الصفات بمعنى عدم تعددها من جنس واحد كقدرتين فأكثر وعلمين فأكثر وهكذا، فستأتي في قوله: (ووحدة أوجب لها) ووحدة الأفعال بمعنى أنه لا تأثير لغيره في فعل من الأفعال، فستأتي أيضا في قوله: (فخالق لعبده وما عمل)

[153] والحاصل أن الوحدانية الشاملة لوحدانية الذات ووحدانية الصفات ووحدانية الأفعال تنفي كموما خمسة: الكم المتصل في الذات وهو تركبها من أجزاء، والكم المنفصل فيها وهو تعددها بحيث يكون هناك إله ثان فأكثر، وهذان الكمان منفيان بوحدة الذات، والكم المتصل في الصفات وهو التعدد في صفاته تعالى من جنس واحد كقدرتين فأكثر، وبحث في هذا بأن الكم المتصل مداره على شيء ذي أجزاء ولا كذلك الصفات، ويجاب بأنهم نزلوا كونها قائمة بذات واحدة منزلة التركيب، والكم المنفصل في الصفات وهو أن يكون لغير الله صفة تشبه صفته تعالى، كأن يكون لزيد قدرة يوجد بها ويعدم بها كقدرته تعالى، أو إرادة تخصص الشيء ببعض الممكنات، أو علم محيط بجميع الأشياء، وهذان الكمان منفيان بوحدانية الصفات، والكم المنفصل في الأفعال وهو أن يكون لغير الله فعل من الأفعال على وجه الإيجاد، وإنما ينسب الفعل له على وجه الكسب والاختيار، وهذا الكم منفي بوحدانية الأفعال، وفي ذلك رد على المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية، وإنما لم يكفروا بذلك لاعترافهم بأن إقداره عليها من الله تعالى، وبعضهم كفرهم وجعل المجوس أسعد حالا منهم، إذ المجوس قالوا بمؤثرين وهؤلاء أثبتوا مالا حصر له، لكن الراجح عدم كفرهم.

وأما الكم المتصل في الأفعال فإن صورناه بتعدد الأفعال فهو ثابت لا يصح نفيه، لأن أفعاله كثيرة من خلق ورزق وإحياء وإماتة إلى غير ذلك، وإن صورناه بمشاركة غير الله له في فعل من الأفعال فهو منفي أيضا بوحدانية الأفعال، ودليل الوحدانية بالمعنى المراد هنا وهو وحدة الذات والصفات بمعنى عدم النظير فيهما: أنه لو تعدد الإله كأن يكون هناك إلهان لما وجد شيء من العالم، لكن عدم وجود شيء من العالم باطل لأنه موجود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت