الحوادث بذاته تعالى، ويلزم منه أيضا سبق الجهل في حقه تعالى وهو محال، وما ورد مما يوهم اكتساب علمه تعالى كقوله جل من قائل: {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى} [الكهف: 12] مؤول على ان المراد والله أعلم ليظهر لهم متعلق علمنا، أو أن المراد بـ (نعلم) مفتوح النون واللام (نعلم) مضموم النون ومكسور اللام، كما قاله الشيخ الملوي، ومما يقال: إنه من باب تنزيل المتكلم منزلة من لم يعلم وإن ذكره في اليواقيت عن ابن العربي، ولا أظنه إلا مدسوسا على الشيخ.
فإن قيل: ظاهر الآية التعليل مع أن أفعال الله لا تعلل! أجيب بجعل لامه للعاقبة والفائدة، فالآية أوهمت أن علمه مكتسب وقد علمت جوابه، وأوهمت تعليل فعله وقد علمت جوابه فالكلام في مقامين وإن أوهم كلام الشارح خلافه.
واعلم أنه كما لا يقال: علمه مكتسب، لا يقال: علمه ضروري ولا نظري ولا بديهي، أما الضروري فهو وإن كان يطلق على ما لا يتوقف على نظر واستدلال، وهو صحيح في حقه تعالى، لكن يطلق أيضا على ما قارنته الضرورة، فيمتنع أن يقال: علمه ضروري خوفا من توهم هذا المعنى. وأما النظري فهو ما توقف على النظر والاستدلال، فهو مرادف للكسبي على تعريفه الأول، فيمتنع أن يقال علمه نظري لاستلزامه الحدوث كما مر في الكسبي، وأما البديهي فهو وإن كان يطلق على ما لا يتوقف على نظر واستدلال فيكون مرادفا للضروري على أحد معنييه، لكن يطلق أيضا على العلم الحاصل للنفس بغتة، يقال: بده النفس الأمر: إذا أتاها بغتة، فيمتنع أن يقال: علمه بديهي لإيهامه هذا المعنى.
[184] قوله: (فاتبع سبيل الحق) أي إذا علمت وجوب القدرة والإرادة والعلم له تعالى فاتبع طريقا هو الحق وهو الحكم المطابق للواقع، فالفاء فاء الفصيحة، والسبيل بمعنى الطريق، وإضافته للحق للبيان، ويصح أن يكون في الكلام حذف المضاف، والتقدير: سبيل أهل الحق، أي طريقهم، والمراد به: معتقد أهل السنة من وجوب صفات المعاني له تعالى.
[185] وقوله: (واطرح الريب) أي: وألق عنك الشبه، فالريب جمع ريبة بمعنى الشبهة التي لم تعلم صحتها ولا فسادها، وهذا بحسب الأصل، وإلا فالقصد هنا الرد على المعتزلة النافين لصفات المعاني لئلا يلزم تعدد القدماء، وهذه شبهة فاسدة، لأنه لا يضر إلا تعدد ذوات القدماء لا تعدد الصفات مع اتحاد الذات، ويصح أن يكون في الكلام حذف مضافين، والتقدير: واطرح سبيل أهل الريب وشكوك النافين لصفات المعاني، لأنهم يقولون: قادر بذاته مريد بذاته، وهكذا، وهو هذيان، لأنه لا يعقل قادر بلا قدرة ومريد بلا إرادة وهكذا.