ذلك فاعلم أن الاستغناء يستلزم وجوب وجوده وقدمه وبقائه ومخالفته للحوادث وقيامه بنفسه وتنزيهه عن النقائص، ويدخل في ذلك السمع والبصر والكلام ولوازمها: وهي كونه سميعا وبصيرا ومتكلما، بناء على القول بالأحوال، إذ لو لم تجب له هذه الصفات لكان محتاجا إلى المحدث أو المحل أو من يدفع عنه النقائص، فهذه إحدى عشرة عقيدة من الواجبات، وإذا وجبت هذه الصفات استحالت أضدادها، فهذه إحدى عشرة عقيدة من المستحيلات، يستلزم أيضا نفي وجوب فعل شيء من الممكنات او تركه، وإلا لزم افتقاره إلى فعل ذلك الشيء أو تركه ليتكمل به، فهذه عقيدة الجائز، فجملة ما استلزمه الاستغناء ثلاثة وعشرون عقيدة. وأما الافتقار فيستلزم الحياة والقدرة والإرادة والعلم، ولوازمها: وهي كونه حيّا وقادرا ومريدا وعالما، بناء على القول بالأحوال، ويستلزم أيضا الوحدانية، فهذه تسعة من العقائد الواجبات، ومتى وجبت هذه الصفات استحالت أضدادها فهذه تسعة من العقائد المستحيلات، فجملة ما استلزمه الافتقار ثمان عشرة عقيدة، فإذا ضمت للثلاثة والعشرين السابقة كان المجموع واحدا وأربعين الواجب له تعالى منها عشرون، والمستحيل عليه عشرون، والجائز عليه واحد.
[432] فقد اشتملت الجملة الأولى على أقسام الحكم العقلي الثلاثة الراجعة له تعالى، والجملة الثانية فيها الإقرار برسالته، ويلزم منه تصديقه في كل ما جاء به، ويندرج فيه وجوب صدق الرسل وأما نتهم وفطانتهم وتبليغهم لما أمروا بتبليغه للخلق، ويندرج فيه أيضا استحالة الكذب والخيانة والغفلة والكتمان عليهم، ويندرج فيه أيضا جواز جميع الأعراض البشيرة التي لا تؤدي إلى تقص في مراتبهم العلية، وهذه جملة أقسام الحكم العقلي الثلاثة المتعلقة بالرسل عليهم الصلاة والسلام، فقد بان لك تضمن كلمتي الشهادة لجميع العقائد المتقدمة، ولعلهما لهذا المعنى مع اختصارهما جعلهما الشارع ترجمة عما في القلب من الإيمان ولم يقبل من أحد الإيمان إلا بهما مع القدرة عليهما وقد نص العلماء على أنه لا بد من فهم معناهما ولو إجمالا، وإلا لم ينتفع الناطق بهما.
[433] وقال بعضهم: الأوسع للذاكر أن يلاحظ أخذهما من القرآن ليثاب عليهما مطلقا.
[434] وقد اختلف العلماء، هل الأفضل المد أو القصر، فمنهم من اختار المد ليستشعر المتلفظ بهما بنفي الألوهية عن كل موجود سواه تعالى، ومنهم من اختار القصر لئلا تخترمه المنية قبل التلفظ بذكر الله تعالى، وفصل بعضهم بين أن يكون أول كلامه بهما فيقصر، وإلا فيمد. وأما حذف ألف الله فهو لحن لا يصح معه ذكر ولا