فهرس الكتاب

الصفحة 317 من 338

[804] الغيبة: تعريفها حدها ووجوب اجتنابها

قوله: (وغيبة) أي واجتنب غيبة، والأمر فيه للوجوب العيني كما في سابقه. والغيبة بكسر الغين: ذِكْرك أخاك بما يكره ولو بما فيه ولو بحضوره، لكن ظاهر المادة يؤيد ما قيل من أن ما في الحضور لا يسمى غِيبة بل بهتانا، وإذا ذكره بما ليس فيه فقد زاد إثم الكذب. ومن الضلال قول بعض العامة: ليس هذا غيبة إنما هو إخبار بالواقع، فربما جره ذلك لكفر الاستحلال والعياذ بالله.

وليست الغيبة مختصة بالذكر، بل ضابطها كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم بلفظك أو كتابتك، أو أشرت إليه بعينك أو يدك أو رأسك أو نحو ذلك، سواء كان ذلك في بدنه أو دينه أو دنياه أو ولده أو والده أو زوجته أو خادمه أو حرفته أو لونه أو مركوبه أو عمامته أو ثوبه أو غير ذلك مما تتعلق به، ومن ذلك قول المصنفين في كتبهم: (( قال فلان كذا، وهو غلط أو خطأ ) )أو نحو ذلك، فهو حرام إلا إن أرادوا بيان غلطه أو خطئه لئلا يقلد، لأن ذلك نصيحة لا غيبة.

وقولهم: قال مصنف، أو قال قوم أو جماعة كذا وهو غلط أو خطأ، أو نحو ذلك ليس غيبة، لأن الغيبة لا تكون إلا في إنسان معين أو جماعة معينين. وقولك: فعل كذا بعض الناس أو بعض الفقهاء أو من يدعي العلم أو بعض المفتين أو نحو ذلك: غيبة محرمة إذا كان المخاطب يفهمه بعينه. وقضية ذلك أنك إذا ذكرت شخصا تعرفه أنت دون المخاطب لا يكون غيبة، ويشكل عليه حرمة الغيبة في الخلوة دون حضور أحد، وكذا بالقلب فقط فإنها بالقلب محرمة كهي باللسان، ومحل ذلك في غير من شاهد. وأما من شاهد فيعذر في الاعتقاد حينئذ، نعم ينبغي أن يحمله على أنه تاب. وذكر بعضهم أنه إن كان معينا عند الذاكر والسامع حرمت، وإن كان مبهما عندهما جازت، وإن كان مبهما عند السامع دون الذاكر حرمت على الذاكر دون السامع، وذكر الأخ في التعريف السابق لذكره في بعض الأحاديث، وقد أخذ به جمع وقالوا: لا غيبة في الكافر. الحق أنه إن كان حربيًّا فلا غيبة فيه، وإن كان ذميّا حرمت غيبته، وتخصيص المسلم بالذكر في الأحاديث لشرفه. وحكم الغيبة التحريم بالإجماع وفي الكتاب العزيز {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} [الحجرات: 12] وفي هذه الآية تنفير شديد، لأنها اشتملت على خمسة أمور وهي كونه لحما وميتا نيئا ومن آدمي وأخ.

[805] وفي سنن أبي دارد والترمذي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت