لا باعتبار جعل العقل موجبا، وهذا بناء على مسألة خلق الأفعال. فإن الله تعالى لم يجعل إلى العباد خلق الأفعال، ولم يفوض ذلك إليهم، فكذلك لم يجعل إلى العقل الإيجاب، ولا يجوز أيضا أن يقال إن الله عز وجل جعل العقل موجبا، كما لا يجوز أن يقال إنه جعل الإنسان خالقا لأفعاله. وهذه المسألة تعرف بعد هذا في مسألة القدر، ولكن إذا عرف العاقل دليل العقل، وجب عليه اتباعه بإيجاب الله تعالى، والذي يدل عليه أن العقل لا يعمل دون هداية الله، كما قال عز وجل: {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [الأحقاف: 26] ، ولا شك أن جحودهم بآيات الله بحرمانهم عن لطف الله، كما قال: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام: 35] ، وقال: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة: 7] الآية.
فكان حاصل مذهب أهل الحق في قضايا العقول على ثلاث مراتب، واجب وممتنع وجائز مستوى الطرفين في الإمكان. فالواجب نحو معرفة الله عز وجل ووجوب الشكر للمنعم واستحسان الصدق والعدل وجميع ما جعل في العقل، دلالة على حسنه واستقباح أضدادها على ما يأتيك شرحه بعد هذا.
وأما الممتنع فنحو استحالة اجتماع المتضادات في شيء واحد في حالة واحدة واستحالة إضافة المستحيلات إلى الله عز وجل،