تعليق التكليف بالعلم عليه، لأن الدعاوى في ذلك متكافئة، لأنه يجوز أن يدعي كل إنسان إلهاما على خلاف إلهام صاحبه، فلا يظهر الحق بذلك. فلا جرم وقع التكليف على الدليل المؤدي إلى اليقين.
وكذلك لا يجوز أن يقع التكليف على التقليد في الأصل، لأن الدعاوى في التقليد متكافئة أيضا. ألا ترى أن عابد الوثن يدعي تقليد أسلافه، وكذلك اليهودي والنصراني؟ وكل فريق يدعى أن الفريق الآخر على الضلال، فلا يظهر الحق بالتقليد، بل بالوجه الذي بينا من الدليل المؤدي إلى الحق.
ومن عرف الحق بأي وجه كان، فإنه يكون عارفا به، وإن لم يعرف الدليل. هذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ومذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين، لأن معرفة الدليل لا تغير ما عرف بغير دليل. فيتضمن معرفته ما عرف بغير دليل جميع ما يعرف بالدليل، إلا أن يعتقد ما يخالف الجملة. فحينئذ يصير كافرا للحال، ولا يظهر بذلك أنه كان كافرا في الزمان الماضي، لأنه لم يخطر بباله في الزمان الماضي ما يخالف الجملة.
ودليل ذلك قوله عليه السلام: (( قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ) )؛ رواه أبو حنيفة رضي الله عنه. وفي الحديث المعروف، قال صلى الله عليه وسلم: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) )الحديث إلى آخره. فقد جعلهم مؤمنين بهذا القول من غير تصديق