القرآن دلائل وحجج من عند ربكم، يقود إلى الحق من استدل به لا من أعرض عنه متعاميا عنه. وقال عز وجل: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} [القيامة: 14] أي حجة. ولما كان معنى البصر والأبصار على هذا في كلام العرب، قلنا: إن الله عز وجل بصير على معنى رؤيته ما يصح رؤيته بلا آلة، وبصير أيضا على معنى علمه بما يصح أن يعلم. ولا يجوز قصر البصر المضاف إلى الله على معنى العلم فقط، إذا كان البصر في أصل الوضع ينتظم الرؤية وينتظم العلم.
وقال قوم من القدرية: إن البصر المضاف إلى الله بمعنى العلم لا غير، وإليه ذهب العلاف وجعفر بن حرب والكعبي، وقد مر الكلام في ذلك فيما تقدم في مسائل الأعراض.
واعلم أن الله لم يزل رائيا لنفسه، أجمع على هذا أهل السنة واختلفوا في رؤيته صفات نفسه، فقال أبو الحسن الأشعري: إنه لم يزل رائيا لصفاته أيضا بناء على أصله في جواز رؤية الأعراض. وأحال أبو العباس القلانسي وأبو سعيد القطان رؤية الأعراض. فلا جرم امتنعا من القول بأن الله راء لصفاته، واتفق الأشعري والقلانسي على أن الله عز وجل لم يزل سامعا لكلامه. وقال أبو سعيد القطان: لم يزل سامعا لنفسه. وقول الأشعري والقلانسي في هذا