والقلوب على قدر وضوحه وثبوته، ولا شيء أوضح وأثبت، كان أبلغ في التأثير ولا شيء أوضح وأثبت من دلائل التوحيد. لأن دلائل التوحيد تؤدي إلى اليقين، بدليل قوله تعالى في حق إراهيم: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75] . والإيقان المبالغة في العلم حتى يصير المتيقن به كالذي تقع عليه حاسة البصر. يقال يقن وتيقن واستيقن إذا استقر، ويقال يقن الماء في الحوض إذا استقر. ومتى استقر العلم في القلب بالدليل المؤدي إلى اليقين، صار المعلوم به كالذي تقع عليه حاسة البصر.
وكان إبراهيم عليه السلام مستقر القلب على توحيد ربه قبل رؤية ملكوت السماوات والأرض، بإلهام رباني كما علم آدم الأسماء بإلهام رباني، لكن ارى الله إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ليستجمع العلم المكتسب برؤية الدليل، فيحصل له الفضلان العظيمان، وليحتج به على قومه، والله الموفق.