…أنَّ الشِّدَّةَ لا تزالُ تتعاقَبُ علَى المؤمنِ علَى ممرِّ الأيامِ والسِّنينَ، لكنَّ فرجَ اللهِ قريبٌ مِنَ المؤمنينَ، وخيرُ شاهدٍ علَى ذلك ما جاءَ في مُحكمِ الكتابِ المبينِ.
فهذا خليلُ اللهِ إبراهيمُ، عليه أفضلُ الصلاةِ والتسليمِ، بعدَ أنْ أحْكَمَتِ الشِّدَّةُ عليهِ قبضَتَها إِحكامًا، أمرَ اللهُ تعالَى النَّارَ أنْ تكونَ عليه بَرْدًا وسلامًا، وهذا يعقوبُ وابنُه يوسفُ الصِّديقُ، قَدْ تجلَّتْ في قصَّتِهما حقائِقُ الفَرَجِ بعدَ الضِّيقِ، وهذا نبيُّ اللهِ أيّوبُ، قَدْ كشفَ اللهُ عَنْه الأضرارَ والكُروبَ، وهذا يونسُ صاحِبُ الحوتِ الذي كانَ مِنَ المُسبِّحينَ، اجتباه ربُّه وجعلَه مِنَ الصَّالحينَ، وما تكرَّرَتْ قِصَّةُ موسى في جُلِّ السُّوَرِ، إلاّ لتُجَسِّدَ معانِيَ اليُسْرِ بعدَ العُسْرِ بأبهَى الصُّوَرِ، فصلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهم أجمعينَ.
…ودونَكم سِيرةَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه فما هِيَ عَنْكمْ ببعيدٍ، وكيفَ فرَّجَ اللهُ تعالىَ عَنْهمُ الخَطْبَ الشَّديدَ، فبينَما هُمْ قليلٌ مُستضْعَفونَ في الأرضِ يخافونَ أنْ يتخطَّفَهمُ النَّاسُ، إذْ جاءَهم نصرُ اللهِ وفتحُهُ فتدثَّروا مِنَ العزَّةِ والتَّمْكِينِ بأَزْهَى اللِّباسِ، وهلْ أتاكُمْ نَبَأُ الإفْكِ والزُّورِ، الذي رُمِيَتْ بهِ المُتدثِّرَةُ بثوبِ العِفَّةِ والطَّهُورِ؟ فإنَّ فَرَجَ شِدَّتِها مُسَطَّرٌ في سُورةِ النُّورِ، وغيرُ خافٍ عليكُمْ فَرَجُ شِدَّةِ الثَّلاثةِ الذين خُلِّفُوا، وقدْ ضاقَتْ عليهمُ الأرضُ بما رَحُبَتْ وضاقَتْ عليهم أنفُسُهم كما وُصِفُوا، وذِكْرُ تفاصيلِ قَصَصِ مَنْ جعلَ اللهُ تعالَى له بعدَ عُسْرٍ يُسْرًا فيها إِطالَةٌ، فنكتفِي بما سبَقَ مِنَ الإشارَةِ إليها والإحالَةِ.
…مَعْشرَ المؤمنينَ: