أيها الإخوة:
ويجمل الدعاء وتتوافر أسباب الخير ويعظم الرجاء حين يقترن بالاعتكاف، فقد اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأيام حتى توفاه الله.
عجيب هذا الاعتكاف في أسراره ودروسه!!!.
المعتكف ذكر الله أنيسه والقرآن جليسه، والصلاة راحته، ومناجاة الحبيب متعته، والدعاء والتضرع لذته.
إذ أوى الناس إلى بيوتهم وأهليهم ورجعوا إلى أموالهم وأولادهم لازم هذا المعتكف بيت ربه وحبس من أجله نفسه، ويقف عند أعتابه يرجو رحمته ويخشى عذابه، لايطلق لسانه في لغو ولا يفتح عينه لفحش ولا تتنصت أذنه لبذاء. سلم من الغيبة والنميمة جانب التنابز بالألقاب، والقدح في الأعراض، استغنى عن الناس وانقطع عن الأطماع علم واستيقن أن رضا الناس غاية لا تدرك.
في دروس الاعتكاف انصرف المتعبد إلى التفكير في زاد الرحيل وأسباب السلامة، السلامة من فضول الكلام، و فضول النظر، وفضول المخالطة.
في مدرسة الاعتكاف يتبين للعابد أن الوقت أغلى من الذهب فلا يبذله في غير حق، لا يشتري به ما ليس يحمد، يحفظه عن مجامع سيئة، بضاعتها أقوال لا خير في سماعها ويتباعد به عن لقاء وجوه لا يسر لقاؤها.
أيها المسلمون، أوقاتكم فاضلة تشغل بالدعاء والاعتكاف وتستغل فيها فرص الخير وإن من أعظم ما يرجى فيها ويتحرى ليلة القدر: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} (القدر: 2) من قامها إيمانًا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه.
ليلة خير من ألف شهر أخفي تعيينها اختبارا وابتلاء ليتبين العاملون وينكشف المقصرون، فمن حرص على شيء جد في طلبه وهان عليه ما يلقى من عظيم تعبه.
إنها ليلة تجري فيها أقلام القضاء بإسعاد السعداء وإشقاء الأشقياء {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} (الدخان: 4) ولا يهلك عند الله إلا هالك.