لقَدْ جعلَ نبيُّنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هذهِ الآيةَ وأمْثالَها نُصْبَ عَيْنَيْهِ فعَلِمَ أنَّ الدنيا ظِلٌّ زائِلٌ، وخَيالٌ راحِلٌ؛ فلَمْ يَنْشَغِلْ بها، ولَمْ يعملْ لها، وإنَّما كانَ هَمُّهُ الدارَ الآخرةَ ؛ لأنَّها دارُ القرارِ، فعاشَ ـ عليهِ الصلاةُ والسلامُ ـ عَيْشَ القَناعَةِ ورضِيَ مِنْها بالقليلِ، وعَمِلَ جاهدًا مُخلِصا ً مُتزَوِّدا ً ليومِ الرحيلِ، لا يأخذُ مِنَ الدنيا إلاَّ ما تَدْعوه الحاجَةُ أوِ الضَّرورَةُ إلى أخْذِهِ، يأْكلُ كما يأْكُلُ أيُّ إنسانٍ، ويَلْبَسُ كما يَلْبَسُ أيُّ مَخْلوقٍ، وينامُ علَى فِراشٍ مِنْ جِلْدٍ حَشْوُهُ لِيفٌ، لا يَرَدُّ مَوْجودا ً ولا يتَكَلَّفُ مَفْقودًا، وما عابَ طعامًا قَطُّ، إنِ اشتَهاهُ أكلَهُ وإلاّ ترَكَه. يَرْكَبُ البَغْلَةَ والحِمارَ، ويَخْصِفُ نَعْلَه، وَيرْقَعُ ثوبَه، ويُعينُ أهلَهُ في البَيْتِ، هَذا عمرُ بنُ الخطابِ - رضي الله عنه - يَصِفُ لنا بعضَ عَيْشِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وحالِهِ إذْ يقولُ: دَخَلْتُ علَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهوَ مُضْطَجِعٌ علَى حَصيرٍ فجلَسْتُ، فأدْنَى عليهِ إزارَهُ وليسَ عليهِ غَيْرُه، وإذا الحَصيرُ قَدْ أثَّرَ في جَنْبِه، فنَظَرْتُ ببَصَرِي في خِزانَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فإذا أنا بقَبْضَةٍ مِنْ شعيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ، ومِثْلِها قَرَظًًا"ورقُ السَّلَمِ يُدْبَغُ به"في ناحيةِ الغُرْفَةِ، وإذا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ"جِلْدٌ لمْ يُدْبَغْ"قالَ: فابتَدرَتْ عَيْنايَ"يَعْنِي بَكَى". قال:"ما يُبكِيكَ يا ابنَ الخطابِ؟!"قلْتُ: يا نبيَّ اللهِ ومالِي لا أبْكي وهَذا الحصَيرُ قَدْ أثَّرَ في جَنْبِكَ، وهذِهِ خِزانَتُكَ لا أرَى فيها إلاّ ما أرَى، وذاكَ قَيْصَرُ وكِسْرَى في الثمارِ والأنهارِ وأنتَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وصَفْوَتُهُ، وهذِهِ خِزاَنتُكَ ؟! فقالَ"يا ابنَ"