هَذا مُصْعَبُ بنُ عُمَيرٍ - رضي الله عنه - فَتَى قريشٍ المدلَّلُ والشابُّ المنَعَّمُ، كانَ يلبسُ أجملَ اللباسِ، ويتطيَّبُ بأفضلِ الطيبِ، تحوَّلَ بعدَ إسلامِهِ إلى فَتىً زاهِدٍ مُتَقلِّلٍ مِنَ الدنيا أيَّما تَقَلُّلٍ، ولما قُتِلَ يومَ أُحُدٍ تركَ نَمِرَةً"بُرْدَةٌ أوْ إزارٌ مِنْ صوفٍ مُخَّططٍ"يقولُ خَبَّابٌ - رضي الله عنه:"فإذا غَطَّيْنا رأْسَهُ بَدَتْ رِجْلاه، وإذا غَطَّيْنا رِجلَيْهِ بَدا رأْسُهُ فأمَرنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنْ نُغَطِّيَ رأْسَهُ ونجعلَ علَى رِجَليْه ِشيئًا مِنَ الإذْخِرِ."نَبْتٌ طيِّبُ الرائحِة" [أخرجَهُ البخاريُّ ومسلمٌ] ، وهذا سَعْدُ بنُ أبي وقَّاصٍ - رضي الله عنه - يقولُ:"لقَدْ كنَّا نغزُو مَعَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ما لنا طعامٌ إلاَّ وَرَقُ الحُبْلَةِ وهذا السَّمُرُ"نوعانِ مِنْ شجرِ الباديةِ"، حتىَّ إنَّ أحَدَنا لَيَضَعُ ـ كنايةً عَنِ الغائِطِ ـ كما تَضَعُ الشاةُ ما لَهُ خِلْطٌ" [متفقٌ عليه] ، ودونَكم مَثَلًا عَلِيَّ بنَ أبي طالبٍ - رضي الله عنه - يقولُ: ما كانَ لنا إلاّ إِهابُ كَبْشٍ أيْ جِلْدُ كَبْشٍ، ننامُ علَى ناحيةٍ، وتَعْجِنُ فاطمةُ علَى ناحيتِهِ الأُخْرَى. ورَوَى فَضَالةُ بنُ عُبَيْدٍ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا صَلَّى بالناسِ يَخِرُّ رجالٌ مِنْ قامَتِهم في الصلاةِ مِنَ الخَصاصَةِ"أيْ مِنَ الجوعِ الشديدِ"وهُمْ أصحابُ الصُّفَّةِ حتَّى يقولَ الأعرابُ: هؤلاءِ مجانينُ.فإذا صلَّى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - انصرفَ إليهمْ فقالَ:"لوْ تعلمونَ ما لكمْ عِنْدَ اللهِ تعالَى لأَحْبَبْتُمْ أنْ تَزْدادوا فاقَةً وحاجَةً" [أخرجَه الترمذيُّ] ."