عبادَ اللهِ: إنَّ المتأمِّلَ في بعضِ أهلِ زمانِنا، يَرى حُبَّ المادةِ قَدْ سَيْطَرَ على نفوسِهم، وإيثارَ المالِ هَيْمَن على قُلوبِهم، عليها يَتهافَتون، ومِن أجْلِها يَتنافَسون، إن زادَتْ أموالُهم فُتِنُوا، وإن نَقَصَت حَزِنوا، يَركُضون في الدنيا بغيرِ عَنانٍ، ويملؤُونَ أيدِيَهم بغيرِِ مِيزانٍ، لو مُنِيَ بِخَسَارةٍ في دُنياه ضاقَتْ نَفْسُه، واعتَلًَّتْ صِحَّتُهُ، وهذه الآفاتُ يجمعُها قِلَّةُ الرِّضا عن ربِّ البرَيَّاتِ.
هِيَ القناعةُ فالزمْها تَعِشْ مَلِكًا لو لم يَكُنْ منك إلا راحةُ البدنِ
وانظر لمن مَلَكَ الدنيا بأجْمَعِهَا هل راحَ منها بغيرِ القُطْنِ والكَفَنِ
إخوةَ الإيمانِ:
إنَّ مما يُعينُ على الزُّهدِ في الدنيا، والرغبةِ فيما عِندَ اللهِ جلَّ وعلا، أمورًا ثلاثة: عِلْمُ العبدِ أنَّ الدنيا ظلٌّ زائلٌ وسرابٌ راحلٌ فهي: { كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا } { الحديد:20 } ، وَعِلْمُ العبدِ أنّ وراءَ الدنيا دارًا أعظمَ منها قَدْرًا، وأجلَّ منها خَطَرًا، { وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلًا } { النساء:77 } ، وعِلْمُ العبدِ أنَّ زُهْدَهُ فيها لا يمنَعُهُ شيئًا كتُِبَ لهُ منها، وحِرْصَهُ عليها لا يَزِيدُهُ على ما قُسِمَ له منها،"واعلم أنّ ما أصابَكَ لم يَكُن ليِخُطِئَكَ، وما أخَطَأَك لم يكن لِيُصِيبك" [أخرجه أحمد] ، يقولُ بعضُ الحكماءِ:"لو كانت الدنيا مِن ذَهَبٍ يَفنَى، والآخرةُ من خَزَفٍ يبقَى، لكان الواجبُ علَى العاقلِ أن يُقدِّمَ الخزفَ الباقِي، على الذهبِ الفاني، فكيف والآخرةُ من ذَهَبٍ يَبقَى، والدنيا من خَزَفٍ يَفنَى"!.