هكذا فَهِمَ سَلَفُنا الصالحُ الدنيا، وهكذا وَعَواْ طبيعَتهَا وعرفوا كُنْههَا، ولذلك تجافَوْا عنها، ولم يغتَرُّوا بها وبزُخْرُفِها، بل كانوا فيها غُرباءَ مسافرينَ، لِوَصَيَّةِ نبيهِم وقُدْوَتِهم - صلى الله عليه وسلم - مُمْتَثلين:"كُنْ في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ" [أخرجه البخاري] ، لقد كانت حياتُه - صلى الله عليه وسلم - تطبيقًا عَمَليًا لقوله، كان مَثلًا أعلَى في الزُّهدِ والقَناعةِ، وقُدوةً عظيمةً في الإقبالِ على الطاعةِ، عَن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ - رضي الله عنه - قال:نام رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على الحصيرِ فقام وقَدْ أثَّر في جَنبهِ، فَقُلنا يا رسولَ اللهِ لو اتخذنا لك وِطاءً، فقال:"ما لي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استَظَلَّ تحتَ شجرةٍ ثم راح وتَرَكها" [أخرجه الترمذي] ، وعَن عائشةَ رضيَ الله عنها أنها قالت لعُروَةَ:"ابنَ أختي إنْ كنا لننظُرُ إلى الهلالِ ثُم الهلالِ، ثلاثَةَ أَهِلَّةٍ في شهرين وما أُوقِدَتْ في أبياتِ رسولِ اللهِ نارٌ"، فقلتُ: يا خالةُ ما كان يُعيِشُكُم؟ قالت:"الأسودانِ التمرُ والماءُ، إلا أنّه قد كان لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - جيرانٌ من الأنصارِ، وكانت لهم منَائِحُ، وكانوا يمنحونَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مِن ألبانهم فَيَسْقِينا" [ أخرجه البخاري] .