الحمدُ للهِ الذي شَرَحَ صُدورَ المؤمنينَ لِطاعَتِهِ، ويَسَّرَ لهم سُبُلَ الخيرِ ودَعَاهم لجنَتَّهِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ اللهُ وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ في أسمائهِ وصفاتِهِ ولا في ألُوهِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ اصطفاهُ اللهُ لرسالَتِهِ، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ الذينَ عَبَدُوا ربَّهمُ وخَافُوا يومَ بَطْشِهِ وَسَطْوَتِهِ، وَسَلَّمَ تَسليِمًا كَثِيرًا إِلى يومِ يُحْشَرُ المتقونَ وَفْدًا إلى مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِهِ وَدَارِ كَرَامَتِهِ.
أمَّا بَعْدُ:
فاتَّقُوا اللهَ ـ عِبادَ اللهِ ـ واعْمَلُوا بِرِضَاهُ، فإنَّهُ مَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، ومَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ.
مَعْشَرَ المسُلِميِنَ:
إنَّه لا يَنْجُو مِنْ خَطَرِ الميزانِ إلاّ مَنْ حَاسَبَ نَفْسَه وَوَزَنَ بميزانِ الشَّرْعِ أعمالَهُ وأقْوَالَهُ، وخَطَرَاتِهِ ولحظاتِه، وَرُبَّ أقوامٍ عَمِلوا في الدُّنيْاَ مِنَ الصالحاتِ كثيرًا، غيرَ أنَّهمْ ظَلَمُوا كَثيرًا، فيُحِيطُ بهم خُصَمَاؤُهُمْ يومَ القيامةِ حتى يأخُذُوا حسنَاتِهمِ قِصَاصًا، في يومٍ يَبْدُو فيه الفقرُ والخَصَاصَةُ، فَتَشْتَدُّ حَسْرَتُهم، وتَعْظُمُ نَدَامَتُهُم. والأمرُ لا يَقِفُ عِنْدَ أَخْذِ المظلومِ مِن حَسَناتِ الظالمِ، بِلْ إنَّ الظالِمَ إذا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ أُخِذَ مِنْ خَطَاياَ المظلومينَ فَأُلْقِيَتْ عليه ثُمَّ أُلْقِيَ في النَّارِ، عَنْ أبي هريرةَ - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ كانَتْ عِندَهُ مَظْلَمَةٌ لأخيهِ مِنْ عِرضِهِ أوْ شَيْءٍ فَلْيتحَلَّلْهُ مِنْهُ اليومَ قَبْلَ أن لا يكونَ دِينارٌ ولا دِرْهَمٌ، إنْ كَانَ له عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وإنْ لم تَكُنْ له حَسنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سيئاتِ صاحِبِهِ فَحُمِلَ عليهِ" [أخرجَهُ البخاريُّ] .