وكانَ - صلى الله عليه وسلم - وهوَ يصارِعُ سكراتِ الموتِ حريصًا علَى الصلاةِ، بلْ لم تَفُتْهُ الصلاةُ معَ المسلمينَ معَ اشتدادِ الألمِ بهِ، وزيادَةِ الوجَعِ عليه، وهوَ القائُل فيما أخرجَهُ الشيخانِ:"إنِّي أُوعَكُ كما يُوعَكُ رجلانِ مِنْكم"وهوَ المبَشَّرُ بالجنَّةِ، المغفورُ له ما تقدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وما تأخَّرَ، ليكونَ ذلكَ حُجَّةً علَى المتواكلينَ علَى رحمةِ اللهِ - سبحانه وتعالى -، المُفَرِّطينَ في الصَّلَواتِ، لقَدْ كانَ المصطفَى - صلى الله عليه وسلم - وهوَ ينازِعُ سكراتِ الموتِ حريصًا علَى التحلُّلِ مِنْ مظالمِ العِبادِ، فليتقِ اللهَ مَنْ لم يُبَالِ بحقوقِ الناسِ، يضربُ هذا، ويشتُمُ ذاكَ، ويغتابُ هذا، ويأكلُ مالَ ذاكَ، ويسفكُ دمَ أولئكَ، ألَمْ يقرأْ أوْ يسمعْ قولَهُ تعالَى: { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } { الفجر:14 } ، لقَدْ عُرِضَتْ علَى نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - الدنيا بكنوزِها وأموالِها ولذائذِها، فرفَضَها واختارَ لقاءَ ربِّهِ، وجوارَ الرفيقِ الأعلَى، ومَنْ أحَبَّ لقاءَ اللهِ أحَبَّ اللهُ لقاءَه، فقَدْ خَرَجَ مِنَ الدنيا ما يملِكُ مِنْها إلاَّ سلاحَه، ودِرْعًا مرهونةً في طعامٍ، وبغلَتَهُ التي يجاهدُ عليها، وهوَ الذي أُعطِيَ مفاتيحَ خزائنِ الأرضِ، ودانَتْ له العربُ والعَجَمُ، وهكذا العظماءُ لا يَشترون بعهدِ اللهِ ثمنًا قليلًا، ومِنْ عظيمِ العِظاتِ والعِبَرِ، في وفاةِ خيرِ البَشَرِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ الدِّينَ يقومُ بذاتِهِ وكِيانِهِ، ولا يقومُ علَى الأشخاصِ، فهذا نبيُّ الهُدَى - صلى الله عليه وسلم - يموتُ، ولا يموتُ الدِّينُ، فمهما حصَلَ لِصالحِي الأُمَّةِ، فإنَّ الدينَ باقٍ ولوْ كَرِهَ الكافرونَ، ثم صَلُّوا وسلِّموا - رحمَكُمُ اللهُ - علَى الهادِي البشيرِ، والسراجِ المنيرِ، كما أمَرَ بذلكمُ اللطيفُ الخبيرُ فقالَ عزَّ مِنْ قائلٍ: إِنَّ اللَّهَ