الإسرافُ داءٌ قتَّالٌ، ومرَضٌ عُضَالٌ، يَهْدِمُ مُقَوِّماتِ الأُمَمِ والمجتَمَعاتِ، ويُبعْثِرُ الأموالَ ويبدِّدُ الثرواتِ، ثُمَّ يكونُ سببًا للوقوعِ في المُهْلكاتِ، وكثيرًا ما تُصابُ النفوسُ عندَ كثرةِ العَرَضِ والغِنَى بالطُّغْيانِ والإسرافِ، وهوَ توجيهٌ غيرُ سَوِيٍّ لنِعْمَةِ المالِ التي استودَعها اللهُ الإنسانَ واستخلَفَهُ فيها، واسترسالٌ في المُتعِ واللذَّاتِ، واستغراقٌ في الانِحدارِ والشهواتِ، واعْلَموا عبادَ اللهِ أنَّ المتتبِّعَ لظاهِرَةِ الإسرافِ والتبذيرِ، والمراقِبَ لأحوالِها، لَيرَى أسبابًا تدعو إليها، ودوافعَ تَبْعَثُ عليها، وتُوقعُ أهْلَها فيها، ومِنْ هذهِ الأسبابِ:جهلُ المسرفينَ بأحكامِ الدِّينِ الذي ينْهَى عَنِ الإسرافِ والتبذيرِ، أوْ تجاهلُ مَنْ لا يجهلُ أحكامَ الإسرافِ وتغاضِيهِ عنْ ذلكَ، اتباعًا لرَغْبَةٍ في نفسِهِ، أوْ شهوةٍ في قلْبِهِِ، مِنْ حُبٍّ لِلْمُباهاةِ والتفاخُرِ، ورغبةٍ عارِمَةٍ في التسابُقِ والتكاثُرِ، في مظاهِرِ الدُّنيا ومفاخِرِ العَيْشِ، ومِنْها الغفلةُ عَنْ حقيقةِ الحياةِ الدنيا، وأنَّها دارُ مَمَرٍّ لا دارُ مَقَرٍّ، فإذا غَفَلَ المرءُ عَنْ حقيقَتِها وأنَّها لوْ كانَتْ تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَناحَ بعوضةٍ ما سقَى مِنْها كافرًا شربةَ ماءٍ، وأنَّ الحالَ قَدْ يتغَّيرُ مِنَ الغِنَى إلى الفقرِ، ومِنَ الفقرِ إلى الغِنَى ما بينَ غَمْضَةِ عينٍ وانتباهَتِها، إذا غَفَلَ عَنْ ذلكَ أسرفَ علَى نفسِهِ وبدَّدَ أموالَهُ، فالحياةُ الدنيا مَيْدانٌ للتَّسابُقِ في الصالحاتِ لا في الشَّهَواتِ، وفي الخَيْراتِ فَلْيَتنافَسِ المتنافِسُونَ، ومِنْها: مُصاحَبَةُ المُسْرفينَ، لأنَّ الصاحِبَ يتأثَّرُ بأخلاقِ صاحبِهِ، ويتطبَّعُ بطباعِهِ، والصاحِبُ ـ كما قِيلَ ـ ساحِبٌ، والطيورُ علَى أشكالِها تَقَعُ. قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"الرجلُ علَى دين خليلِهِ،"