ومِنْ ذلكَ مَعْشَرَ الإخوةِ الفُضَلاءِ: أنْ يُلِِحَّ العبدُ في المسألَةِ ويتَمَلَّقَ في الدُّعاءِ، قالَ مُوَرِّقٌ العِجْلِيُّ رحِمَهُ اللهُ تعالَى:"ما وَجَدْتُ للمؤمنِ مَثَلًا إلا كمَثَلِ رَجُلٍ في البحرِ علَى خَشَبةٍ، فهوَ يدعو: يا ربِّ يا ربِّ، لعلَّ اللهَ يُنجِيه" [ أخرجَه البيهقيُّ ] ، فسِهامُ الدعاءِ تَحيدُ عَنِ السَّدادِ والإصابَةِ: إذا استعجَلَ الداعِي العَطاءَ واستبطَأَ الإجابَةَ، كما أخرَجَ مُسلمٌ في صحيحِهِ عَنْ أبي هريرةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ قالَ:"لا يزالُ يُستجابُ للعبدِ ما لَمْ يَدْعُ بإثمٍْ أوْ قطيعةِ رَحِمٍ؛ ما لمْ يَسْتَعْجِلْ"قيلَ: يا رسولَ اللهِ، ما الاستعجالُ؟ قالَ: يقولُ: قَدْ دَعَوْتُ وقَدْ دعوتُ؛ فَلمْ أَرَ يَسْتجيبُ لي، فيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذلكَ ويَدَعُ الدعاءَ"، ومِنْ ذلكَ مَعْشَرَ المؤمنينَ: أنْ يعتَرِفَ العبدُ بعَجْزِهِ وتقصيرِهِ في الثَّناءِ علَى ربِّ العالَمينَ، كما أخرَجَ مُسلمٌ في صحيحِهِ عَنْ عائشةَ رضِيَ اللهُ عَنْها قالَتْ:"فَقَدْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ليْلَةً مِنَ الفراشِ، فالتمَسْتُهُ فوَقَعَتْ يَدِي علَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وهَو في المسجِدِ وهما مَنْصوبتانِ، وهوَ يقولُ: اللهمَّ أعوذُ برِضاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وبمُعافاتِكَ مِنْ عُقوبَتِكَ، وأعوذُ بكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثناءً عليكَ، أنتَ كما أثْنَيْتَ علَى نفسِكَ". فطوبَى لعبدٍ واظَبَ علَى هذِهِ الآدابِ، وتابَ إلى ربِّهِ وأنابَ، فغَفَرَ له ما تقدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِِ إنَّه هوَ الغفورُ التوَّابُ."
الخطبة الثانية