لقد ظل المسلمون شهرًا كاملًا ينالون من نفحات ربهم ما بين ساجد وقائم وراكع لله، وتال لآيات الله ، وخاشع لجبروت الله ، وسرعان ما انقضت الأيام وكأنها أوراق الخريف عصفت بها الريح على أمر قد قدر وإلى الله المصير.
ثم ماذا بعد رمضان؟ أين أثر رمضان في النفوس؟ هل أثرت التقوى المنشودة في رمضان على أعمالنا وأخلاقنا وسلوكنا؟ أم أننا ودعنا الأعمال الصالحة بوداع رمضان؟! واغتررنا بأعمالنا الصالحة التي أديناها في ذاك الشهر العظيم؟!
إنه ليس من صفات المسلمين أن يتركوا طاعة الجبار مع غروب شمس رمضان بل المؤمنون الصادقون بعد رمضان على حالين: حال الوجل والخوف والشفقة من أن تدفع أعمالهم الصالحة فلا تقبل، فهم يرجون الله ويدعونه ويسألونه أن يتقبل منهم أعمالهم كما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي تسأل عن قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} (المؤمنون: 60) يا رسول الله: هل هم الذين يزنون ويشربون الخمر ويسرقون؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (لا يا ابنة الصديق ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون ألا يتقبل منهم) [ أخرجه أحمد والترمذي] ... الله أكبر.. ما أعظم حال المؤمنين!! يؤدون الطاعة تلو الطاعة ويخافون عدم القبول! ولهذا نقل أن بعض السلف كانوا يدعون الله بعد رمضان ستة أشهر أن يتقبله الله منهم، قال علي رضي الله عنه (كونوا لقبول العمل أشد اهتمامًا منكم بالعمل ألم تسمعوا قوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} (المائدة: 27) ( أخرجه أبو نعيم في الحلية) وقال فضالة بن عبيد: ( لو أني أعلم أن الله تقبل مني مثقال حبة خردل أحب إلي من الدنيا وما فيها) .