فأُوصيكم -أيُّها النّاسُ- ونفسِي بتقْوَى اللهِ تعالَى والوَجَلِ مِنْ نُذُرِهِ، والَحذَرِ مِنْ عِصْيانِهِ ومُخالَفَةِ أمْرِهِ؛ فاتقوا اللهَ ربَّكم وراقِبوهُ، وأطيعوهُ ولا تَعْصوهُ، قالَ تعالَى: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } { آل عمران:102 } .
أيُّها المسلمونَ:
يقولُ اللهُ تعالَى: { سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } { الإسراء:1 } .
لقَدْ أكْرَمَ اللهُ تعالَى نبيَّهُ المصْطَفَى - صلى الله عليه وسلم - بهذِهِ المَكْرُمَةِ العظيمَةِ بعْدَ أنْ بلَغَتِ الدَّعْوَةُ أشَقَّ المراحِلِ وأضْناهَا، وأمَرَّ لحَظاتِها وأقْساها، وأرْبتْ مُناوأةُ خُصومِ الدِّينِ علَى الطّاقَةِ، وقدَّرَ اللهُ تعالَى أنْ يَقْبِضَ إليهِ مَنْ كانَ سَنَدًا مَكِينًا ورُكْنًا رَكِينًا لنبيِّهِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ورسالَتِهِ؛ حَمِيَّةً وعَصَبِيَّةً، إنَّهُ عَمُّهُ الشَّهْمُ أبو طالبٍ؛ الذي كانَ يحْميهِ ويدافِعُ عَنْه، ولم يُسْلِمْهُ لحظةً للعُتاةِ المجرِمينَ الذين أحْرَجوهُ مَرَّاتٍ ومَرَّاتٍ، وشاءَ اللهُ سبحانَه أنْ تموتَ المرأةُ الصّالحةُ الخاشعةُ العاقِلَةُ الرَّؤومُ؛ زوجُهُ خديجةُ رضِيَ اللهُ عَنْها، التي كانَتْ تُواسِيهِ وتُسَلِّيهِ، ففَقَدَ - صلى الله عليه وسلم - برحيلِ العَمِّ والزَّوْجَةِ الأُنْسَ والسَّنَدَ لولا حِمايةُ اللهِ تعالَى وحُسْنُ كلاءَتِهِ ورِعايَتِهِ.