فأُوصيكم - عِبادَ اللهِ - ونفسِي بتَقْوَى اللهِ تعالَى؛ فإنَّ تَقْوَى اللهِ أكْرَمُ ما أسْرَرْتُم، وأجملُ ما أظْهَرْتُم، وأفضلُ ما ادَّخَرْتم، اتقوا اللهَ في السرِّ والعَلَنِ، واجْتَنِبوا الفواحِشَ ما ظهَرَ مِنْها وما بَطَنَ. قالَ اللهُ تعالَى {:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } { آل عمران: 102 } .
معاشِرَ المؤمنينَ:
اعْلَمُوا - بارَكَ اللهُ فِيكم - أنَّ خَيْرَ مَراحِلِ العُمْرِ هِيَ مَرْحَلَةُ الشبابِ؛ ففَضْلُها لا يَخْفَى، وقَدْرُها لا يُنْسَى؛ فالشبابُ هُمْ عِمادُ الأُمَمِ، وبُناةُ الحضاراتِ، وثَرْوَةُ الأوْطانِ الأغْلَى، وَحَظُّها الأوْفَى، ومَجْدُها الأبْقَى، وسِلاحُها الأمْضَى، إذْ لم تَزْدَهِرْ حَضارةٌ، ولم تَرْتَقِ أُمَّةٌ، ولم يُصْنَعْ مَجْدٌ، ولم يُحَقَّقْ نصرٌ- بعدَ فَضْلِ اللهِ - إلاّ بجُهْدِ الشَّبابِ.
فَها هِيَ ذِي دَعْوَةُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - قامَتْ في بِدايَتِها عَلَى جُهودِ الشبابِ، وعَلَى عَواتِقِهم كانَ النجاحُ المُكَلَّلُ والنَّصْرُ المُظَفَّرُ في ساحاتِ المعارِكِ وميادِينِ السلاحِ، ومَضامِيرِ الدَّعْوَةِ والكفاحِ.
وهَذا نَبِيُّ اللهِ إبراهيمُ الفَتَى - عليه الصلاةُ والسلامُ - يَدْعو قَوْمَهُ إلى توحيدِ اللهِ الخالِصِ ويُنْكِرُ عَلَيْهم عِبادَتَهمُ الأصْنامَ مِنْ دُونِ اللهِ، ويقومُ بتَكْسيرِها وتَحْطِيمِها كَما ذَكَرَ القرآنُ نَبَأَهُ { قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ } { الأنبياء:60 } ، فما كانَ مِنْه - عليهِ السلامُ - إلاّ أنْ صَدَعَ بما يُسَفِّهُ أحْلامَهم ويَسْتَخِفُّ عُقولَهم { أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } { الأنبياء: 67 } .