أخرج مسلم عن عائشة - رضي الله عنها- أن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) قال:"ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة", فهنالك تسكب العبرات, وتقال العثرات, وترتجى الطلبات, وتغفر السيئات, فهم في صعيد واحد, ووقت واحد, ومظهر واحد, مهللين مكبرين, لا فرق فيه بين كبير وصغير, وغني وفقير, وعظيم وحقير, والله إنه لمشهد عظيم, وموقف جسيم, كيف لا، والله يباهي بهم الملائكة الأبرار, ويشملهم برحمته التي ملأت الأقطار, ألا يحب أحدكم أن تشمله بركة القبول مع الواقفين, ويعود عليكم بعظيم الرحمة مع الطائفين والعاكفين؟
أيها المسلمون:
أعلموا أنه ينبغي لمن يريد الحج أن يشاور من يثق بدينه وخبرته في حجه, فإن استقر عزمه بدأ بالتوبة من جميع المعاصي, ويخرج من مظالم العباد, ويقضي ما عليه من ديون, ويرد الودائع, ويطلب المسامحة من كل من كانت له معاملة أو مصاحبة, ويترك لأهله ومن تلزمه نفقتهم ما يكفيهم إلى حين رجوعه, ويجتهد في رضا والديه, ثم عليه أن يختار الصحبة الصالحة, التي تعينه على مناسك الحج ومكارم الأخلاق, وأن يتعلم أحكام الحج.
وأعظم ما ينبغي أن يهتم به العبد: مجاهدة النفس على الإخلاص, ورفض الريا, سئل سهل بن عبد الله -رحمه الله-: أي شيء أشد على النفس؟! فقال الإخلاص, لأنه ليس له فيه نصيب! فهل ترضى يا عبد الله أن لا يكون لك من حجك إلا التعب والنصب؟! ففي الصحيحين أن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) قال:"من سمّع سمّع الله به, ومن يرائي يرائي الله به". فالإخلاص الإخلاص يا عباد الله, حتى تفوز بحج مقبول, وعمل نافع.