لقد نهض المسلمون في بواكير نهضتهم نهضة علمية غير مسبوقة، لأنهم وعوا بعقولهم، وفقهوا بقلوبهم تلك الآيات الكريمة التي كانت أول ما نزل على الرسول الكريم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1, 5] .
فكان القرآن الكريم وعلومه المدرسة الأولى التي تعلموا فيها، فكانوا خير من تعلم وعلم وصدق الرسول الكريم"خيركم من تعلم القرآن وعلمه" [رواه البخاري] .
وتوجهوا بهدى من كتاب ربهم ونور بصائرهم المؤمنة إلى كتاب الكون فوعوه، وإلى تراث التجارب الإنسانية في ميادين البحث العلمي فأفادوا منها ما أمكنهم من قدرات الحياة وعلوم الكون، والسنن التي أودعها الله تعالى مخلوقاته فكانت مدارسهم ومعاهدهم وجامعاتهم عامرة بالطلاب، مزدانة بالعلماء، زاخرة بالباحثين، مليئة بالمؤلفات والمخترعات، فقهوا مدلول الحديث النبوي الشريف
"طلب العلم فريضة على كل مسلم" [البيهقي] ، فكانت دور العبادة - المساجد - هي دور العلم والتعليم، وكان الركع السجود في محاريب الإيمان هم أنفسهم القائمون على أمر العلم والتعليم في شتى فروع المعرفة من علوم الفقه والعقيدة والتفسير والحديث واللغة والأدب ومن العلوم التجريبية كعلوم الطب والصيدلة والهندسة والكيمياء والعلوم الزراعية وعلوم الفلك والبحار والعلوم الجغرافية من وصف للأرض وتقسيم لها وبيان لميزات أقاليمها المختلفة.
ولذلك كانت حواجز العالم الإسلامي في مشرقه ومغربه مقصدًا للعلماء من شتى أقطار الأرض ومن مختلف الديانات فالعديد من بابوات روما تلقوا تعليمهم في معاهد وجامعات الأندلس، وهذا التاريخ العريق لن يجدينا في شىء وأن نتغنى به ونقعد عن بلوغ منزلة أولئك الآباء والأجداد الذين عبدوا طريق العلم، وأعلوا له في كل قطر منارًا.
معشر المسلمين: