الحمدُ للهِ القاهِرِ فَوْقَ عِبادِهِ عِزًّا وجَبَروتًا وَسُلْطانًا، أحمدُهُ سبحانَهُ وأَشْكُرُهُ علَى ما عَمَّ بهِ مِنَ الجُودِ والفَضْلِ إِكْرامًا وإِحْسانًا، هَدَى إلى النَّجْدَيْنِ، وبَيَّنَ سُبُلَ الْمَحَجَّتَيْنِ؛ فمُرْتَكِسٌ مِنَ العِبادِ في الكُفْرِ ومُنْتَحِلٌ مِنْهم هِدايَةً وإِيمانًا، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ؛ دَعا إلى دِينِ اللهِ سِرًّا وإعْلانًا، صَلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارَكَ علَيْهِ وعَلَى آلِهِ وأصحابِهِ الذينَ كانوا له عَلَى الحقِّ أنْصارًا وَأعْوانًا.
أمَّا بعدُ: فأُوصِيكم -أيُّها الناسُ ونفسِي- بتقْوَى اللهِ تعالَى في السِّرِّ والعَلانِيَةِ، ولا تَغُرَّنَّكُم عَنِ النُّزُلِ الخالِدَةِ الدَّارُ الفانِيَةُ، قالَ اللهُ تعالَى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } { آل عمران:102 } .
أيُّها النَّاسُ:
إنَّ الأُسْرَةَ المسلمةَ هِيَ البِدايَةُ الصَّحيحةُ لِلْمُجْتَمَعِ الصَّالِحِ المُتَرابِطِ؛ إِذْ بصَلاحِ الفَرْدِ تَصْلُحُ الأُسْرَةُ، وبِصَلاحِهما يَصْلُحُ المجتمَعُ بأَسْرِهِ، ولَقَدِ اهْتَمَّ الإسلامُ بالأُسْرَةِ اهْتِمامًا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فشَرَعَ أَسَاسَاتِ تَكْوِينِها، وبيَّنَ وَسائِلَ تَرابُطِها؛ لتَبْقَى الأسْرَةُ المسلمةُ مُتَماسِكَةً مُتَراحِمَةً، لا يَنْخَرُ في أجْزائِها البَلاءُ، ولا تَهْتَزُّ أرْكانُها بأَوْهَى لَأْوَاءَ، قالَ سبحانَهُ وتعالَى: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } . { الرّوم:21 } .