أمَّا بعدُ: فاعْلَمُوا أنَّ خَيْرَ الحديثِ كتابُ اللهِ تعالَى، وخيرَ الهَدْيِ هَدْيُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وشَرَّ الأُمورِ مُحْدَثاتُها، وكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وكُلَّ ضَلالَةٍ في النَّارِ.
إخْوَةَ الإيمانِ والإسلامِ: لَقَدْ بَعَثَ اللهُ تعالَى محمدًا - صلى الله عليه وسلم - نبيًّا ورَسُولًا؛ فهَدَى بهِ مِنَ الضَّلالَةِ، وعَلَّمَ بهِ مِنَ الجَهالَةِ، وكَثَّرَ بهِ بَعْدَ القِلَّةِ، وأَعَزَّ بِه بَعْدَ الذِّلَّةِ، وَرَبَّى بالإيمانِ الصادِقِ، وَالعِلْمِ النافِعِ وَالعَمْلِ الصالِحِ قَوْمًا أَضْحَوْا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاسِ؛ قادُوا إلى العَلْيَاءِ الأُمَمَ، وبَعَثُوا في النفوسِ العِزَّةَ وَالهِمَمَ، فكانُوا الصَّفْوَةَ الأَخْيارَ، وَالنُّجَباءَ الأَبْرارَ، وَالمتَّقِينَ الأَطْهارَ، فمَنْ كأبِي بَكْرٍ في صِدْقِهِ وإيمانِهِ ؟ وعمرَ في عَدْلِهِ وجُرْأَتِهِ؟ وعُثْمانَ في حيائِهِ وسَماحَتِهِ ؟ ومَنْ كعَلِيٍّ في بَأْسِهِ وشجاعَتِهِ؟ وأَبي عُبَيْدَةَ في إخلاصِهِ وأمانتِهِ ؟ وابنِ عباسٍ في فِقْهِهِ ودِرايَتِهِ؟ ومَنْ مِثْلُ مُعاذٍ في عِلْمِهِ وشِدَّةِ مُحاسَبَتِهِ؟ وخالِدٍ في إِقْدامِهِ وَحُنْكَتِهِ؟ وَابْنِ عمرَ في وَرَعِهِ وعِبادَتِهِ؟ أوْ أبي ذَرٍّ في زُهْدِهِ وقَناعَتِهِ؟
إنَّهُمُ الجِيلُ الربَّانِيُّ، وَالرَّعِيلُ الإِيمانِيُّ؛ الذين تَخَرَّجُوا في مَدْرَسَةِ الإيمانِ والتَّقْوَى، وَرُبُّوا عَلَى مائِدَةِ العُرْوَةِ الوُثْقَى، فَذَلَّلُوا بإيمانِهم كُلَّ الصِّعَابِ، وَاسْتَعْذَبُوا لأَجْلِ دِينِهِمْ كُلَّ عَذابٍ، حتَّى نالُوا شَرَفَ العبُودِيَّةِ للهِ الخالِقِ الوهَّابِ.