وأمَّا خَوْفُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ اللهِ تعالَى واجتهادُهُ في ذلِكَ؛ فَقدْ بَلَغَ حَدًّا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ مِنَ الخَلِيقَةِ؛ فقَدْ كانَ ينْزِلُ عليهِ الوَحْيُ في اليومِ الشَّديدِ البَرْدِ، فَيُفْصِمُ عَنْهُ-أَيْ: يَذْهَبُ عَنْه- وإنَّ جَبِينَهُ ليَتَفَصَّدُ عَرَقًا-أَيْ:يَسِيلُ-؛ كَما ثَبَتَ ذلِكَ عِنْدَ البخاريِّ ومسلمٍ، ولأَجْلِ هَذَا قالَ اللهُ تعالَى: { إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا } { سورة المزمّل:5 } ، فصَلَّى - صلى الله عليه وسلم - حتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ، وصامَ والرَّمْضاءُ مُحْرِقةٌ لا يُطِيقُها الجَلْدُ مِنَ النَّاسِ، وكانَتْ عِبادتُهُ دائِمةً، وبها أَرْشَدَ أُمَّتَهُ؛ فقالَ - صلى الله عليه وسلم:"سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا، وَإِنْ قَلَّ" [أخرجَهُ البخاريُّ مِنْ حديثِ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها] ؛ فكانَ - صلى الله عليه وسلم - لا يُضَيِّعُ شَيْئًا مِمَّا كَلَّفَهُ رَبُّهُ؛ خَوْفًا مِنْهُ وتَعْظيمًا لأَمْرِهِ.