وكانَ بُكاؤُهُ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ صِدْقِ عِبادَتِهِ وطُولِ خَشْيَتِهِ وشَوقِهِ إلى رَبِّهِ جَلَّ وعَلا؛ ولأنَّه أَعْلَمُ الأُمَّةِ باللهِ تعالَى؛ فكانَ لَأَجْلِ ذلِكَ يَبْكِي حتَّى يُسْمَعَ مِنْهُ الصَّوْتُ العَجيبُ الْمُحْزِنُ؛ عَنْ عَبْدِ اللهِ ابنِ الشِّخِّيرِ - رضي الله عنه - قَالَ:"أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُصَلِّي وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ"؛ يَعْنِي: يَبْكِي. [أخرجَهُ النَّسائيُّ] ، والأَزِيزُ: خَنِينٌ مِنْ الخَوْفِ، وهُوَ صَوْتُ البُكاءِ، والِمرْجَلُ: إناءٌ له صَوْتٌ عِنْدَ غَلَيَانِ الماءِ فِيهِ.
وفي حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى لِكُسوفِ الشَّمْسِ، وأنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ يَنْفُخُ وَيَبْكِي، وَيَقُولُ:"رَبِّ أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لَا تُعَذِّبَهُمْ وَأَنَا فِيهِمْ؟ رَبِّ أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لَا تُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ؟ وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُكَ، فلمَّا صَلَّى رَكْعَتينِ اْنجَلَتِ الشَّمْسُ". [أخرجَهُ البيهقيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى والتّرمذيُّ في الشَّمائِلِ] .
وهَكَذا -أَيُّها المسلمونَ- كانَتْ أيَّامُهُ - صلى الله عليه وسلم - وليالِيهِ عامِرَةً بأَنْواعِ العِبادَةِ الصَّادِقَةِ ومَظاهِرِها المُخْلِصَةِ، وهوَ - صلى الله عليه وسلم - أُسْوَتُنا ومُرَبِّينا، وبِحُسْنِ عِبادَتِهِ وكَمالِها يُرْشِدُنا وَيَهْدِينا، فالحمدُ للهِ عَلَى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْنا، وَزادَنَا مِنَ التَّوْفيقِ لاتِّباعِهِ وساقَ بهِ الخَيْرَ إِلينا.
بارَكَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ، ونفعَنِي اللهُ وإيَّاكم بما فيهِ مِنَ الآياتِ وَالذِّكْرِ الحكيمِ، أَقولُ قَوْلِي هَذا وأَستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم، فاستغفروهُ إنَّهُ هوَ الغفورُ الرَّحيمُ.